قصتي مع الشاعر علي ابو مريحيل

كثيراً ما استوقفتني قصائد هذا الشاعر الشاب المتميز عن شعراء جيله ,
ربما لما تتسم به هذه القصائد من جرأة لا متناهية تتجاوز الخطوط
الحمراء والخضراء والصفراء , أو لذاتيتها المفرطة التي يحاكي
من خلالها الشاعر مشاعر وعواطف الشباب والمراهقين , أو هي سلاستها
اللغوية القريبة منا نخن القراء .
ما زلت أذكر المرة الأولى التي قرأت فيها قصيدة له بعنوان
“تخيل, إنها تسأل” أول شيء فعلته بعد قراءة القصيدة هو الإمساك
بقلمي المتواضع , حاولت أن أقلده بعد أن حرضتني القصيدة
بسهولتها على الكتابة , لكني فشلت , وما زلت حتى اليوم كلما
قرأت هذه القصيدة أمسك القلم لأحافظ على أناقتي أمامها ,
بعض الشعراء لا يتركون لنا مساحة حتى لتعديل هيئتنا بعد
قراءة قصائدهم .
آثرت أن أدخل إلى كواليس هذا الشاعر لأرى كيف يكتب الشعر
ومتى يكتب الشعر , هل يكتب بأقلام كأقلامنا , أيكتب بيده اليمنى
أم اليسرى أم الاثنتين معاً .
بدأت أنقب عن سبل الوصول إلى هذا الشاعر الرائع , أحد الأصدقاء
أخبرني انه يعرف شاباً يمتلك نسخة خُطّ عليها إهداءً من الشاعر نفسه
وحين اتصلنا بالشاب اتضح لنا انه استلف الديوان من ابن عمه الذي
يعرف الشاعر معرفة شخصية , بعد ثلاثة أيام استطعت أن أحصل
على رقم جوال الشاعر .

كانت صوته دافئاً حين قال : ألو
قلت : الأستاذ علي أبو مريحيل
قال : علي ابو مريحيل فقط ( أي بلا أستاذ)
قلت : كما تشاء
أعلمته برغبتي في لقائه وانّ بجعبتي مجموعة من الأسئلة والاستفسارات
بحاجة إلى إجابات وإيضاحات عاجلة .
قال : أيناسبك أن نلتقي غداً
قلت : طبعاً 00 يناسبني

وكان اللقــــــــــــــــــــــــــــــــــاء 00

وجدته شاباً فتياً مهذباً مثقفاً , فيه مسحة من حياء الأدباء كان شاعراً حتى بنبرة صوته ,
أحببت تقطع حديثه , تلك الفترات التي يصمت فيها ليستحضر شيئاً من مخزونه
الثقافي , وكأنه ينتقي العبارة الأجمل أو الصياغة الأرقى والأبهى .
أحببت ضحكة المدوية التي يطلقها حين يشعر انه محاصر بسؤال لا يريد أن
يجيب عنه , انه هروبه الجميل .

***

* نبدأ من ديوانك الأخير “قصائد حارقة” ماذا كنت تريد أن تقول من خلاله ؟
أنا لا أنظر إلى قصائدي بهذه الطريقة , هاجسي الدائم هو الكيفية التي سأقول بها .
يقول الشاعر والناقد الانكليزي ت .س .إليوت ” ليس للشاعر شخصية يصوغ بها عبارته ,
بل لديه أداة خاصة ” ويقول الدكتور عبد الإله الصائغ ” الأداة التي يستعملها الشاعر
هي اللغة , لكن الاختلاف قائم بين شاعر وآخر حول فرادة كل واحد في استعمال اللغة ” .

*ماذا عن التجارب التي تكتب عنها , هل هي فعلاً حقيقية ؟
يجب أن تدرك ان القدرة على استخدام الخيال لابتداع المواقف لا تسعف الشاعر
إن لم يتملكه انفعال عاطفي ناجم عن تجربة حية .
السرّ في تعدد التجارب والأسماء في قصائدي , هو تحرري الدائم من المناعة
العاطفية , مما يؤهلني لخوض علاقات عابرة , قد اسميها حوادث سير , أتعرض
لها أثناء مسيري نحو حبيبتي الأبدية أو المثالية ( الزوجة) .

* لكن هناك صور ومواقف جريئة
أنا ضد تقسيم الصورة الشعرية إلى صورة جريئة وأخرى ملتزمة , أو تقسيم النص
الشعري إلى نص جريء وآخر ملتزم , الصور الجريئة التي تتكلم عنها , هي مجرد تجسيد
لمشاعر إنسانية مشبعة بالشهوة والغريزة , وهذا ليس بالشيء المخجل أو المعيب ,
إنما العيب يكمن في إقامة الحجر على ما نشعر به ونخجل من التعبير عنه , هذا
هو العيب بعينه .
من هنا أنادي بالابتعاد عن الاعتناء بالصورة الشعرية عناية شكلية , ما أريده هو
الاندماج الشعوري للوقوف على مكامن النص , ما أريده هو الدخول إلى محراب
القصيدة بنية التعبّد , لا بنية التصيد والتزحلق بين نهدي القصيدة .
العمل الفني أصعب من أن يخضع لمقاييس وضعية , وأبعد من أن نجري عليه
نفس الأحكام التي نجريها على الأشياء المادية .

* إذاً كيف تنظر إلى هذه الأبيات من قصيدة ” امرأة تحترف الإغراء ” في ديوانك الأخير قصائد حارقة .

ماذا أكتب
حين النهد يبعثرني
والأرداف تزلزلني
والسيقان تدوخني
ماذا أكتب يا حسناء ْ
حين العشق يطير بشعري
فوق بساتين الإغراء ْ .

للأسف نحن لا نصطدم إلا بمفردات , أريد أن أنوه هنا أن الكلمة من حيث هي كلمة ,
تعني شيئاً محدداً , إلا أنها تؤدي في العبارة وظيفة أخرى , فهي تعمل على تهيئة
الأجواء والعقل لاستقبال معنى آخر .
نحن دائماً كقراء نلهث خلف المعنى اللغوي , ونهمل المعنى الأدبي , هذا المعنى الجميل
الذي لا يعطي تصويراً بقدر ما يعطي شعوراً .

* ماذا تعني لك المرأة ؟
هنا أشعر أني أمام شاطئ من المعاني العميقة , التي تجعلك تبحث في داخلك
عن مفردات تكون بحجم أبعادها الخرافية .

* حدثني عن قراءاتك الشعرية
قراءاتي الشعرية ضئيلة مقابل قراءاتي الفكرية والنقدية والفلسفية , أفضل قراءة الرواية
على قراءة الشعر , وهذا ما لا أخجل من قوله .
باعتقادي أن الشاعر يجب أن يقرأ من الشعر بقدر ما يكفيه لتسليس إيقاعاته الشعرية
إلا أني ومن خلال هذه القراءات الضئيلة , تعلمت الكثير الكثير , مثلاً , تعلمت
الإيجاز في مدرسة الشاعر العراقي أحمد مطر , وفي المدرسة القبانية , تعلمت كيف
أقول كل ما أريد بالشعر , وتعلمت كيفية تطويع اللغة في المدرسة الدرويشية .

* ما هي الأوقات المحببة لديك للكتابة ؟
ليلاً , في الليل يقوى شعوري بالعزلة والفردية , ويتكامل إحساسي بالحرية .

* وما هي طقوس الكتابة , أو كيف تولد القصيدة ؟
قد تبدو العملية معقدة , لكني استطيع أن أبسط لك الأمر بحكم خبرتي الإنجابية
أولاً : الإرهاصات أو المؤثرات التي توحي باكتمال نمو الفكرة المخمرة بالذاكرة الشعرية .
ثانياً : التشييد الدلالي , أي تشييد المشاهد الدلالية للفكرة .
ثالثاً : الغرغرة , أبدأ بفتح قنوات لغوية تساعد على نفاذ الفكرة .
رابعاً : الكتابة المبدئية , وهي الكتابة الحرة .
خامساً : الكتابة الفعلية , يتم فيها بناء النص .
سادساً : التغذية العكسية , تتم بعد قراءة النص الشعري على عدد من الأشخاص
الذين لا علاقة لهم بالشعر , لأرى مدى تفاعلهم وتفهمهم , وقد أقوم ببعض التعديلات
الطفيفة على بعض الصور أو الجمل إلى أن أستقر على الصورة المثالية للقصيدة .
سابعاً : الإعلان عن ولادة القصيدة .

* لماذا تكتب الشعر , أعرف انه سؤال ساذج
لا , بل هو سؤال ذكي .
هذا السؤال يذكرني بردود جميلة لشعراء أجمل , مثلاً , أذكر حين سئل الشاعر
بول جيرا لدي لماذا تكتب الشعر , أجاب : لأحذف حرف الواو الذي يفصل
بيني وبين حبيبتي .

* وأنت
أنا أكتب الشعر لأني أخشى على نفسي من النار , أنا لا أريد أن أموت انتحاراً .

* أحب قصائدك إليك
قصائدي أطفالي , والأب لا يفاضل بين أبنائه حتى على أساس التقوى .

* كيف تنظر للشعر القديم
شعرنا القديم هو موروثنا العظيم وذاكرتنا اللغوية .
هو الميناء الذي يجب أن تنطلق منه أشرعة الشعراء
أذكر أني قرأت شيئاً عن استحياء الأدب القديم , والذي بموجبه يقوم الأديب أو الشاعر
باقتطاع ما يصلح من الأدب القديم ليكون نواة لعمل جديد , فيه أثر من خمريات
أبي النواس وحكمة أبي تمام ومسحة من فلسفة أبي العلاء , أعتقد ان عملية الاستحياء
هذه هي الطريقة الأمثل للتعامل مع هذا الموروث وهذه الذاكرة اللغوية .

* هل أفهم من كلامك أنك ضد الحداثة
ماذا تعني بالحداثة ؟
أولاً , يجب أن نضع تعريفاً دقيقاً لمفهوم الحداثة .
للأسف ارتبط مفهوم الحداثة بالطعن بكل موروث , وذلك من خلال الطروح اليسارية
المخالفة للمفاهيم والقيم العربية التقليدية , في حين أن الحداثة تكمن في تجديد هذا
الموروث وتفعيله مع الواقع .

* ما سبب عزوفك عن كتابة القصائد السياسية ؟
القصيدة السياسية قصيدة رزنامية , ما دامت تكتب لتغطية حدث ما بنية تذكيرية
أو تقويمية أو إرشادية , فالشاعر حين يرقص على المسرح السياسي يفقد الكثير من
بريقه الشعري , ما دام يرقص بخطى وظيفية , وأنا لا أريد أن أفقد بريقي الشعري .

* وقصيدة النثر
قصيدة النثر لا تستهويني إطلاقاً , لا أشعر انها تمس شيئاً بداخلي
فهي ما زالت تراوح في مرحلة المراهقة الإبداعية , ما دامت لا تقول ولا تقدم ولا تعني شيئاُ .

* أخيراً , ما هو طموحك كشاعر ؟
إدهاش حبيبتي بقصيدة حب جديدة .

حاوره / سالم أبو علفة
20/3/2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.