24 مايو 2004
1 قهوة تركي مع أو في زييلير
إنني أحب المقاهي وأهم شيء في القهوة، كما في أماكن أخرى، بجانب أسلوب تحضيرها وتجهيزها، الكرة أيضا ً بالنسبة لي، ، إذا كانت تمضية الوقت، أنها تجعل المرء ينسى صفارات ملعب الحياة اليومية وخطوطه، يتم القذف بها في قلب الملعب بجمل غير متوقعة. (أرجوك أن تتحمل معي نصيبا ً من الخسارة إذا أنا، وأنا لازلت في مستهل هذه الحادثة الأقرب للهامشية والتي لاأريد أن أضن بها عليك، و – حيث أنني غير موهوب رياضيا ً البتة – أجهدت مضارب التنس التي ترهق الأعناق، لأتحدث مرة أخرى عن الجلد المستدير).
أسلم بأنني لادراية لي على الإطلاق بكرة القدم، لكنني يتم تضليلى كل فترة وأخرى، وأسلم نفسي لدبيب النعال وأقدام المشاهدين القلقين بشأن اللقاء على الحشيش الأخضر، وأسر أثناء ذلك كأكثر ما يكون بالثنائيات غير المتوقعة التي يتم الإقتراع عليها في المقدمة. عناية ربانية مرحب بها ليس فقط في النزالات الكبيرة، ولكن أيضا ً في كل ملعب كرة للأطفال فإن الشيء المباغت في سحب الفرق المنافسة هو هدف يأتي بمحض الصدفة يرفع من حدة التوتر والتشوق راميا ً كل ثقة وضمان في الأوت.
أردت أن أشرب قهوة. أول قهوة وداع ٍ جيدة، فيما يتعلق بالإسترجاع النوستالجي الحاني للذكريات، والذي يدفعني منذ أيام لكى أسترق النظر لتذكرة السفر المرة تلو المرة على نحو غير مفهوم، والتي أتخيلها بعد هذه الأسابيع الفريدة في القاهرة كارتا ً أحمر، يعارضه وجداني بشدة.
جلس الرجال الستة قبالة بعضهم البعض كما لو كان لديهم جميعا ً وقتا ً لانهائيا ً. كما لو كانوا قد تواعدوا معا ً عند أحد أطباء الريف غير الموجود في الواقع جاعلين مقره على مشارف المدينة والذي يريدون في الحقيقة أن يستأمنوه على قصة حياتهم أكثر مما يريدون أن ينبهوه للفجوات التي في أسنانهم. غرفة إنتظار مرتجلة مؤثثة بأبسط الأثاث أو كأنهم يجلسون في أحد دوواين عربة قطار مفصولة إستلكها الكثير من الركاب والتي يقوم المرء فيها، دون أن يسافر حقيقة، ليس فقط برص الأمتعة وحقائب السفر، ولكن أيضا ً يقوم بفتحها مرارا ً وتكرارا ً ليتأكد من أنه أخذ معه كل شيء ولم يغفل شيئا ً مما يحتاجه. ربما كانت الحجرة أرحب قليلا ً ولذا أكثر إمتدادا ً مما عليه الحال في مستقر عربة قديمة لأحد القطارات، أخرجوا الصباح من أجسادهم إذ لوحوا له وتقاذفوا الجمل فيما بينهم، كما لو كانوا يلعبون بها الكرة. كانوا يتحركون أحيانا ً في تثاقل هنا وهناك ويبحثون عن علبة سجائر بين أرجلهم بينما هم يسندون ظهورهم منتصبة على كراسيهم البلاستيكية أو يضعون لي الشيشة على المنضدة الجانبية الصغيرة ليستنشقوا قدرا ً من الهواء.
ليس لدي فكرة عن أى شىء كانوا يتكلمون وما الذي كان يلهب أمزجتهم مرارا ً وتكرارا ً من جديد ثم لايلبث أن يردهم ردا ً جميلا ً في اللحظة التالية بنفس القدر لحالة من السكون والهدوء ويزيل حدة الحديث وشدته ويجعلهم يضحكون ويقهقهون. لم يتبين لي سوى بعد بضع دقائق أن الرجل العجوز الجالس بجواري والذي كانت تظهر أسنانه الناقصة مع كل ضحكة يضحكها – هذه على فكرة حقيقة يتقاسمها مع الرجال الآخرين – إنما هو صاحب المكان الذي نجلس فيه. في البداية تصورت عندما رأيته يجلس هناك، أنه هو الآخر أحد ضيوف الصباح الذين كانوا لايضنون على أنفسهم بفترة إستراحة قصيرة، كسائر الآخرين الذين يستطيبون المكان هنا، وأن كلا الشابين اللذين كانا يسعيان خلف البوفيه ويدفعان بالقهوة من الماكينة ويشطفان الأكواب أو يزودان الشيش بجمرات الفحم إنما يشغلان المقهى الأخضر النحيل الواقع على جانب دعامة الجسر.
جلست هناك، متنبها ً بعدي لازلت، مستمتعا ً بقهوتي التركية وأردت أن أغوص لمرة أخيرة في هذا المشهد، الذي كان يدعوني المرة تلو المرة للولوج في قلب المدينة. شعرت بأنني مطمئن ومشمولاً بالعناية في هذا المكان الذي يشبه الجراج والمطلي بطلاء أخضر مترب فاتح والذي كان مبلطا ً من الأرض إلى نحو منتصف المساحة صعودا ً ببلاط ناعم أخضر داكن والذي يطل منه قائما ً شباك وحيد. كان هذا هاما ً على أية حال لأنه كان مركبا ً عليه شفاط على هيئة مروحة يؤدي خدمته بهمهمة وأصوات غير مفهومة. ضعيفا ً كان بسبب عمره المتقدم ولكنه على أي حال كان كفيلا ً بذلك الشعور غير الخاطيء أن الهواء في هذه الحجرة والمتكون من الأصوات والروائح المعروفة جيدا ً إنما يبدو أهنأ مذاقا ً بشكل جلى مما هو على الرصيف الذي أمامه.
كان المكان معبأ برائحة القهوة التركية والشاي والدخان ومكونات مختلفة الإتجاهات والمشارب وبرائحة حركة الشوارع التي يتشح بها المقهى والتي كنت قد اعتدت عليها كذلك بنفس القدر، حيث كان المقهى مفتوحا ً تماما ً على ناصية الشارع ولم يكن يحد القطاع من السماء الذي يطل عليه سوى الباب الحصيرة الحديدي المبروم لأعلى مكللا ً جبهته والذي إذا ما أسدل في الليل لم يكن لينبيء بما يخبئه خلفه. هذا على أي حال بالمسبة لمن لا يدرك الحروف العربية إلا على أنها صورا ً موحيه فهو قد يعتقد أن المكان محل بقالة صغير أو ورشة سيارات أو محل مكوجي بلا أدنى تفرقة بينهم. كان المقهى منحوتا ً في وحدة سكنية ويطل مباشرة على شارع ذي كثافة مرورية عالية تتزحزح عليه السيارات صعودا ً بلا إنقطاع كما كان لو هناك من دعاها لإجتماع هام في مكان ما.
منذ مدة غير طويلة كان أحد الشابين اليافعين خلف البوفيه مشغولا ً بتشطيف نفسه – يستنتج من ملامح وجهه أنه لابد وأن يكون ابن صاحب المقهى -، كان قد أخذ قبل ذلك أحد منشفات الأكواب والأطباق من الدولاب، كانت موجودة بجانب تي شيرتات وشرابات وفناجين قهوة وسائل تنظيف الأكواب والأوعية وقلل المياه الزجاجية للشيش كانت جميعها مرصوصة على الرف، جفف نفسه بالمنشفة وأحضر قميصا ً مكويا ً لتوه من أحد علاقات الملابس. كان معلقا ً تحت رف الشيش ثم ارتدى بمنتهى البديهية وبهدوء نفسي بنطالا ً آخر. وفي النهاية قام بوضع بعض الفازلين على شعره ونظر مرة أخرى لشكله في المرآة كما لو كان يريد أن يؤكد لنفسه وللزبائن قائلا ً: "الآن يمكن للنهار أن يأتي إن شاء الله".
ابتسمت بسبب الضواء الصغيرة التي أردت أن أتصورها طقسا ً يوميا ً صباحياًً مستمرا ًورشفت رشفة من كوب القهوة التركية وتركت لأفكاري العنان أن تطوف في هذا المناخ الصباحي البيتوتي – الأسري ذي المزاج الرائق كذلك، كما جعلتني أشعر هذه البديهية المعدية، التي بدأ بها نادل المقهى يومه خلف البوفيه في القاهرة، عندما بادرني أبوه بالكلام على حين غرة وسألني:
“where from?”
“Germany” قلت له “Germany”
وما كدت أن أنطق الكلمة للمرة الثانية حتى أشرق وجهه وأجاب: Oh, Germany, wunderrrbarrr.. ررررراااائع!" ثم ما لبث أن هتف: "أوفي زييلر!". لقد سعد الرجل العجوز فجأة بهذه الطلاقة وعلى هذا النحو بــ “my Germany” كما لو لم يكن منتظرا ً سوى أن ينطلق بسعادة غامرة وعيون تشع فرحا ً كما لو أنه قد قبس فعلا ً لتوه فرصة لاتتكرر كما لو أنه قد جاء في اللحظة الصحيحة للمكان الصحيح-: هتف صائحا ً: "جون!". "جون!" وهو يغالى من فرط التهليل كما لو كان قد حقق واحدا ً من أهم أهدافه في اللحظة الحاسمة بضربة من مؤخرة رأسه واحتضنني بذراعيه الملوحين تلويحا ً عفويا ً متداخلا ً ثم جعل يجتر الذكريات بعربيته التي كانت تومض فيها بين الفينة والأخرى أسماءاً ألمانية وجملا ً إنجليزية مختلطة بكلمات ألمانية، منشدا ً في ذلك فى الحقيقة نشيدا ً واحدا ً.
لم يعد من الممكن فرملته. أوفيرات، نيتسر، موللر، بيكين باور، "لكن موللر القديم"، منبها ً إياي ومختبرا ً معلوماتي، "ليس موللر التالي"، ولم أتمكن من متابعته بإيماءات رأسي الموافقة على ما يقول إلا بالكاد. وسعدت بالمثل بموضوع الحديث الذي وجدناه عندما تمطي بكامل جسده ليتحول إلى قطعة من تاريخ كرة القدم محفزا ً قلبه وصائحا ً بكل حماس Rahn, Rahn, Rahn!” – كانت هذه كرة قدم" أفهمني بنبرة منتصرة ولمعت عيناه فى ذلك فى تسابق مع عيون الحاضرين. بل أنه آنذاك، فقط بسبب كرة القدم، بادر بالتأكيد عدة مرات، وإن كان بهدوء أكثر، أنه أراد آنذاك أن يتعلم الألمانية بالحتم وسأل في سفارة ألمانيا الشرقية عن ذلك. وقال أن الأمركان مختلفا ً على وقته وأن علىّ أن أفهم هذا لأن الإشتراكية سادت في مصر أيضا ً ثم عاد فقال "أوفي زييلر". المرة تلو المرة." ولكن أوفي زييلر!" أردف أن هذا كان أفضل من كل الإشتراكية جميعا ً، ثم نظر إلي ّ ومؤيدا ً قوله بإيماءة من رأسه لايمكن أن يساء فهمها، أعلم مما كان يمكن أن تجيزه الفيفا في أى وقت كان.
وأنه فعلا ً أخذ بعض الحصص في الألمانية بل وأكثر من هذا أخذ أيضا ً دورة في الرقص، وأن حصة اللغة الألمانية كانت تتكلف جنيها ً وحصص الرقص ثلاثة. وكما لو كان عليه أن يستعرض أمامي أنا أيضا ً خفته بكامل غندرتها أيام شبابه التي لاتنسى راقصا ً فالتس في خطوات ناعمة، حاملا ً كرة القدم خلال الغرفة وهامسا ً المرة تلو الأخرى "أوفي زييلر، أوفي زييلر!"
إلا أنه من ثانية لأخرى كان يتوقف فجأة، وفي غير توقع تماما ً، كان يمسك فكرة ما لمدة طويلة ويترك ثلاثة أرباع إيقاع مشهد ذكرياته تماما ً إذ فجأة كما كان يدور داخل نفسه ، ثم نظر إليّ مهتما ً وقد داخله الجد وسألني في توجس خافت: "هل لازال على قيد الحياة. أعني أوفي زييلر، هل لازال على قيد الحياة؟"
قلت له "نعم" وشعرت بالراحة من ناحيتي لأنني استطعت أن أعيد الجو لما كان عليه.
لقد أعدت إليه الطمأنينة مرة أخرى – الحمد لله – بكلمة – "نعم" قلتها وأنا أتنفس الصعداء وحكيت له بإنجليزيتي ذات النغمات المنفصلة المتباينة كل ما كنت أعرفه وما لم أعرفه ثم توجت أطروحاتي المجدبة، التي مطتها مطا ً، للأخبار المتفرقة التي جمعتها في رأسي عن كرة القدم في ألمانيا، بجملة مفادها أنه تم تكريم أوفي زييلر منذ مدة قصيرة فقط بتعيينه "مواطنا ً فخرياً" لمدينة هاميورج، ووفقت فى ذلك بنجاح فى تحقيق احترام أرحب به ترحيبا ً قلبيا ً، هذا إذا لم يكن قد تحقق هدف التعادل. بالطبع لم أفصح له دون ذلك عن شيء من كوني لاأعرف شيئا ً عن كرة القدم ولا أنني ليس بمقدوري من الناحية الفنية أن أقدم تعليقا ً متخصصا ً على أوفي زييلر أسطورة لعبة كرة القدم. إلا أن هذا لم يعد له أية أهمية في هذه اللحظة.
بالمناسبة، لم يعد لزاما ً علي ّ أن أدفع ثمن القهوة حيث قال لي وهو يربت على كتفي وتعلو وجهه إبتسامة سعيدة بأنني لابد أن أحيي له ألمانيا وأن علي ّ ببساطة أن أعود مرة أخرى.
ترجمها للعربية: د. طارق عبد الباري
25 مايو 2004
وقرب الخبز. 1 يوم
وفي نداء المؤذن 1 فجر
و1 مساومة على الصحون المرفوضة
وفي صخب الباعة 1خبز متنوع
و1 صليب في الخبز و1 خبز في الإستجواب
وفي الأذن 1 صلاة وقرب الخبز
… القصيدة التي لم أكتبها حتى آخرها.
حتى أيام قليلة مضت تصورت أن الوقت في القاهرة سوف يكفي لإستكمال كتابة هذه الأسطر. لكن الوقت كان أقصر من اللازم. وعليه فإننى آخذ النص معي لألمانيا وسأرسله لــ (أ.ل.) في أي وقت. لعله يستطيع أن يعطي القصيدة للصياد النيلي، وحينئذ ٍ يحق لي أن أفتح الخطاب الثاني.
ولكن ربما بقى كل شيء مجرد مسودة.
وأشكر بهذه المدونة غير المكتملة كل أولئك الذين ساعدونى أثناء إقامتي خلال هذه الأيام المكثفة في القاهرة والإسكندرية ووقفوا بجانبى. وأخص بالذكر السيد يوهانيس إيبرت، مدير معهد جوته والعاملات والعاملين بمعهدي جوته بالقاهرة والإسكندرية لصحبتهم الودودة واليقظة لي وعنايتهم وإهتمامهم بي. كما أسجل شكري كذلك لكل الذين قاموا على هذا المشروع غير العادي في ألمانيا، 1 رؤية صغيرة، وعملوا على تحقيقه وأسمح لنفسي أن أذكر نيابة عنهم فلوريان هوليللر. Gracias
وعناق قلبي for my dear friends Girgis and Abu Obeida.
هاوزاخ في 25/26 مايو 2004
ترجمها للعربية: د. طارق عبد الباري
415
15
1 Guest(s)
