خوزيه أوليفر في القاهرة: 05/03 – 2004/05/25
4 مايو 2004
… قد لايكتمل شيء في وصفه أو يستوفى في عرضه، ربما تكون الإشارة فقط والإلماح وربما لايوجد شيء مما أعايشه في الساعات الأولى يمكن أن تحيط به كلمة مفهومة أو "لاكلمة" ، على أقصى تقدير سيظل هناك إستشعار قريب قائم مما أحضره معي. أنا "الحاضر والمحضر معه" ، هذا الوصول الصغير في الذاتيّ دائما ً وأبدا ً "1 وصول صغير" كما هو دوما ً كما هو في كل مكان. كما كان الحال في ليتوانيا منذ أسبوعين أو في تميسورا منذ بضعة أيام، في كلوش (كلاوسنبورج) و في سيبيو (هرمان شتات). هذه الطبيعة الرومانية التي هي هنا أيضا ً تتقشر عنها أمتعتي والتي تملأ بالوداع من هاوزاخ وشتوتجارت وأخيراً من فراكفورت ثم من رحلة قطار المدن السريع (إنترسيتي إكسبريس) والمطار، غرفة الفندق في الزمالك. آلاف السير الذاتية واللقاءات غير المكتوبة ….
"وصول صغير". ربما لايمكن أن يكون أبدا ً أكثر من هذا المسافرالتابع اللاحق الذي هو في داخلي، وإصطحاب الذات في المسافر التابع. مشمولة بالعناية وموفورة التمام. "إنني لاأصل ولاأغادر المكان، لقد كنت دائما ً هنا، يوراتا…"
لاتريد الغربة أن تحدث. قلت بالأمس مساء ً لـ (أ.ل.) أن "الغربة" لاتريد أن تحدث. (لاتقلقي عزيزتي القارئة ولاتقلق ياعزيزي القاريء فإنني لن أفصح لأحد أبدا ً عمن هو (أ.ل.) فسيبقى هذا سرنا. فقط حتى هذا القدر: سوف أكتب عنه وعنا. ولكنك ربما تستطيع بعد أن أرحل أنا من هذه المذكرات اليومية ومن القاهرة في 25 مايو أن تكتب أنت وتحكي عن (أ.ل.)، من هو وأين يعيش وكيف ولماذا…)
بالفعل كانت نزهتي الأولى بالأمس بعد الظهيرة في الزمالك مصافحة حميمة باليد لصديق، معانقة – مرة أخرى أرض ثابتة تحت القدم، أنظر لهذه الأرض التي تحمل القدم – وأنا أحمل هذا الشوق في داخلي وهذا الحنين، وأسمح لنفسي أن أدعوها لهذا الإحتواء الأمين الذي تـنـضح به الشوارع الحية، لمأوى بسمة، لحميمية الإيماءات واللفتات ذات القلب الرحيب ("دائما ً عندما يقف إنسان مفعم بالحياة أمامي، فإنني أنسى كل شيء تعلمته" – كم ُتبَـلـسِم النفس وتهدئها هذه الجملة التي قالتها أنجيلا كراوزيه، والتي هربتها معي سرا ً لمصر، كما هربت نفسي).
: إيماءات قلبية هي إذا ً ، نحو الإستطلاع، نحو الإكتشاف المتكرر دوما ً للآخر. صبر النادل إزاء حيرتي وقلة حيلتي وإجتهاداتي بلغات عدة عندما أردت أن أطلب قهوة. ناهيك عن فاتورة الحساب. : أنا، نصف أمي، أجلس في المقهى وأنظر لقائمة الطعام والمشروبات كما لو كانت صورة مسحورة وإبتسامة النادل الذي لايغضب أو يتأفف مني لأنني لاأتكلم العربية، اللهجة المصرية، والتي تعطيني إنطباعا ً بأنها ألين من تلك الصوتيات التي دفعت بمحاولة تصورها إلى رأسي… إبتسامته بمثابة يد ترحب بالزائر…
ربما يكون لذلك أول ما أخطه في دفتر رسوماتي العلني شيء كاليد، تلك التي أريد أن أمدها لأولئك الذين يقرأون هذا النص أو أولئك الذين تخالجهم الرغبة في نفوسهم أن يواصلوا قراءة هذا النص في الأيام والأسابيع التالية. يد خجلي حيـيّـة تعرف دائما ً أنه سيكون هناك شخص يريد أن يعيش في مداد معايشاتي وأفكاري ومشاعري في ترجمة هذه الأيام التي لم تكن في الحسبان وأن يشارك في المغامرة ويدرك ما الذي سيحدث لي هنا وكيف أصير.
وبذلك فإن الهش في تسجيلات المدينة من القاهرة التي تخط نفسها بنفسها هو خطو العين وتحسس السمع ، محاولات إقتراب وذكريات – تلك التي تتزاوج: العيون من بعيد آتية وقريبة هي الآذان. عيون، حتى في المسير، تستنفرها الشوارع والأرصفة في الزمالك، إستهلاكاتها والإرتجالات المباغتة والتنسيق الذي أحدثه الزمن للطرق التي لمعها البشر. يخطر ببالي "طريق يُشَمْشَمْ أثره" و "قدم بعين" … كما لو أنه يتحتم على المرء بين الآونة والأخرى أن يستشعر بقدمه ورجله الأجزاء المفتتة والأخرى غير المكتملة للأرصفة والشوارع. كما لو كان يجب أن يكون المتداعى والمتكون من جديد والمستهلك لذاته أن يصيروا جميعا ً حاضرا ً في معايشات الحياة اليومية. مع كل خطوة ومع كل حركة سير خلال الشوارع آذان وتذكير غير مقتحم وتغذية ترابية ، شوارع ُمحَصْـوَبـَة مُـدَبّـغـَة تكشف نفسها للمارة وتريهم كيف تكون … جسدية الطرق.
أدُبّ بعيني دَبـّة قدم في الصيرورة. ليس المقصود "استواء الأقدام على الأرض"، لكن على الأكثر إرقاد العين في ترحال الخطوات المنقضية … القاهرة … (لاأصدق أني موجود هنا!) .. وأني أسمع العين في الأذن وأني أهدهد السمع ذا الأصوات المتعددة في العينين.
نحن نلعب ونثق في جسارتنا.
فجأة لم أعد أنا ذلك الذي يدون ويسجل إنها هي التي تكتبني إليَ، إنها هي التي تتهجاني في هذه الجمل. القاهرة تكتبني في ملاحظات السمع والعين.
ياله من إمتياز!
نعم إمتياز – وأتساءل بلا انقطاع بالمثل مندهشا ً، عما إذا كان يحق لي على الإطلاق أن أقول كلمة "القاهرة" هكذا..دون أن يكون قد أصابني الكبر والغرور؟ هل تكفي بضع ساعات للواصل ليكتب بالكامل اسم مدينة، هذه المدينة، بكل تلك السهولة، التي قد تغري المرء وتجعله يعتقد بأنها هذه .. هذه هي …
يبتسم (أ.ل.) بشماتة ويعتقد فقط ببساطة “Veritas est id quod est”
(أ.ل.) يقول أن شخصا ً آخر هو الذي صاغ هذه الجملة ذات مرة.
توماس فون أكوين. "الحقيقة هي ماهو كائن …"
أما تكتب أو ما أكتب نتيجة لذلك هو ربما خبيء الحقيقة المعثور عليه أو هو المعثور عليه في الحقيقة؟ حتى ولو أن شيئا ً من هذا ليس مصيبا ً فإنني قد اطمأنت نفسي وهدأت.
المرء يستشعر هذه المدينة كما يعيش في المجهول بوجدانه، ذلك المجهول الذي يبدو لي وكأنه معلوم. ولست أدري حتى الآن لماذا.
تصور إذا ً الجمل الأولى. جمل تتلمس نفسها في موزاييك (معروف): "وقريب مني وأعرف غباره" و "أخ يحيط أخا ً بذراع …" إنني لاأريد أن أكمل صياغة هذه الجملة ولكن على أي حال أقولها في أجزاء. في لاإطار الكلمات…
"أخ يحيط أخا ً بذراع …
في الأساس لايمكن إلا أن تعايشها، لفتات التحية. رفقة الجسد تكاد تدلف في الكلمات عذبةً رقيقة. أرى دوما ً كيف تصير الأيدي تحية قلب. المرء يمسك بالمرء أثناء الحديث. كل يمسك بالآخر في القول ويطابق هذا تماما ً إنطباعي الأول عن هذه المدينة: تحفظها المتواضع." تواضع خاشع بنعومة اللون الأصفر الأكر" لو كان هناك شيئا ً على هذا النحو.
القاهرة، هذه المتواضعة إذا ً؟ القاهرة تلك التي تعرف ما حولها ولذا فإنها لاتعرض نفسها للناظرين بقدر ما تجعلهم ينظرون؟
أشعر أن هذا الإنطباع سوف يتأكد وأفكر هنا في مدينة مكسيكو- سيتي. أتذكر إقامتي هناك في عام 1998 والسؤال الذي ظل يشغلني ويراودني آنذاك، كيف يمكن أن تسير مدينة بهذا الحجم. كيف يمكن أن يستقيم وينتظم تعايش تنبعث ذبذباته من بين كل الشقوق والأنحاء؟
ربما هكذا وحسب.
متحفظة وعليمة بالخيوط المثقبة النافذة في الهشاشة. تدرك هشاشتها في حياتها اليومية. هذا ما يميز المعمار هنا. معمار البيوت ومعمار الملامح، ملامح تسمعها الأذن.
لذلك فحتى المؤذن وجدتني أعرفه. صوته الذي ينفذ مهدئا ً ويبسط نفسه في غير إقحام البتة على أرجاء الحي وأنحاءه، هذا الصوت يشبه أغنية الهدهدة والمآذن باسقة تشبه في رشاقة غندرتها أقلاما ً كريمة تكتب بحروف غير ظاهرة "السماء"، حروف لاتـنـحل شـفـرتـهــا إلا في حــيــويـــة الحياة …
أشعر أن (أ.ل.) تملكه الفضول. إنه يريد أن يعرف عما إذا كنت سأكتب قصائد هنا في مصر أيضا ً. لو أنه يعلم أنني من غير قصائد لاأستطيع أن أكتب مذكرات يومية .. ولذا فإنني سأغامر بأن أقرأ البورتريهات السريعة الطائرة والسير الذاتية المفاجئة التي نشأت أمس واليوم ولعلك تسمعني …
1
طائرا ً للقاهرة . بجانبي 2 طفلان ملائكيان زرق العيون
في الزرقة تنتظم 1 ضحكة زرقاء
شفاه سحابية
وطبيعة تتيح التعرف في طريق السفر
ُمحَصْـوَبـَة مُـدَبّـغـَة وألسنة
غبار ألوان
1 بورتريه حزمة رملية
عابر سريع لايفصح عنه
أردد وأنا باسط بوصلة قلبي
"تصحر جسور" و "خجل حييّ أصفر أكري"
2
الزمالك. فيلات كأنها حفريات [حفريات مدينة]
في صدف الزمان تكونت قطعة قطعة درجات وسلم
أراض. أتمسك بالذي ليس غريبا ً
باللون الطينى الذى يصير جلدا ً بقبة الشباك
ضوء الشارع قاتم. ضوء أقتم ومرة أخرى صوت
1 المؤذن. كما لو كان يغني أغنية للهدهدة.
3
شارع البستان . (بورتريه شرفة حزامية )
1 كرسي من البلاستيك 1 لوح إردوازي
عليه حروف عربية ولاتينية.
ليس الكرسي لأحد في هذه اللحظة
بينهما 1 قطة
1 جوال خزين (أحمر قان كدم ثور مخصي بباتينة ترابية). شخص ما
يكتب بطبشور "إنسان وظهر"
: كهودج صغير من أوراق الشجر
خوص النخلة من عل ٍ. أوراق الأشجار القديمة محفوفة آمنة.
ملحوظة: أفكر لتوي في مترجمي للعربية… رحلته الإستكشافية لن تكون أقل مغامرة… أو ربما لا.
ترجمها للعربية: د. طارق عبد البارى
5 مايو 2004
… شاهدت اليوم هذه القطة ذات اللونين الأبيض والأسود وفراءها يومض مع بزوغ الفجر. اليوم في الصباح الباكر [في فلق الإصباح] أمام شجرة مطاط في وضع تربص محدد ونظرة لأعلى شديدة الجهد والتركيز ("إطلاق المخالب وشـل الفريسة"). لاتختلف القطة عن الوحش الكاسر.
فقط مسافة رجفة رأس . مدافعة عن منطقتها وإنذار متحول توجهه لي – رأيت هذه القطة في اللحظة التالية وهي تضع الشجرة تحت خوذة الغريزة مرة أخرى، حتى فهمت، حتى خمنت وجود طيور بين أدغال الأوراق. ربما 1 طائر يسقط ضحية بالمصادفة أو يجرح … [السبب طائر عند القطة و "صباح حيوان كاسر"]. سمعتني أجد الكلمات وأكملت سيري مضطربا ً بعد توقف قليل في الشارع الذي بدأ يتحرك بالتدريج حركة الإستيقاظ/ ينمو مستيقظا ً بسبب ذاتية/ بديهية صيده. وعلى مبعدة بضعة أمتار أمامي شاهدت "زلاقات خبزية" على الرصيف، يعني خبز مـبـتـل بماء الأرض منثورا ً على مجموعة أسياخ خشبية مارا ً بالمتوجهين للصلاة. المتواجدين/"المتوحدين". لاأنسى الشيء الغريب العجيب ما بين البذر والإستهلاك. خبز الروح.
: كما لو كان الخبز أيضا ً تجديدا ً للتحية/ تطهير للروح والعواطف في الصباح. كافٍ لليوم وبعد طقس التطهر.
"الأيدي أولا ً". أوضح لي (أ.ل.) وبدعاء. "إرشاد الذي بلا زمن" خطر ببالي و"غسل الأقدام" [صورة قديمة من أيام الطفولة + الجمعة الحزينة]. دعانى (أ.ل.) اليوم مبكرا ً لأن نسير خلال المدينة. سوف يكون في المسجد في تمام الساعة 4.30 لصلاة الفجر. قال لي: "استيقظ". "إن نداء المؤذن للصلاة" ليس أغنية للهدهدة، إنه نداء إيقاظ وتوقف عما تفعل. الجوهر ولقاء ما هو داخلي.
في النهاية ذهب (أ.ل.) بمفرده للصلاة والتقينا فيما بعد على ضفة النيل. قال (أ.ل.) "تقع الجنة بين الفرات والنيل" ومر على الخبز وهو يسير وجعل يوميء للتجار إيماءات تحية. مطيلا ً في جملة دائما ً ومتحدثا ً عن الحروف العربية، تجاه "جسر محبة" (هي قصة أخرى سأحكيها غدا ً). دائما ً مواصلا ً تأدية ما عليه ومرورا ً بمركبات النقل الصغيرة ذات النفير وأتوبيسات نقل الأفراد ذات ارتعاشــات الديزل. مرورا ً بآخر أو بأول رجال جمع القمامة وسيارات الأجرة ذات اللونين الأسود والأبيض. وشاهدت حمالات الأغراض تلك المبعدة والموضوعة على أسقف التاكسيات. حمالات أغراض سقفية مثبتة بقطع بيضاء للأغراض والأمتعة المنتظرة. ثم تلك النظرة المباغتة وغير المتوقعة التي توقفت في وعلى النيل. بانوراما المدينة وخيالات ظل مرتفعة على الجانبين و، بدا كالتائه، 1 صياد نيلي على زورقه الصغير. شاهدته وهو يقف ثابتا ً منتصبا ً ساحبا ً شبكته خلفه. رأيتني أعود للوراء، لفنلندا ولقائي "لصيادي الجليد" [صنارات الجليد]. وفكرت أثناء ذلك في شبكات الصيادين التي يربطونها ببعضها. عقد منزلقة لشمس متوهجــة في خلف الرقبة. لم أستطع التحدث عن التوقف، العقيدة. سطعتني الشمس ("شمس عـدسة زجاجية")، كما لو كانت قد عزمت على أن تشع الكلمات فىّ بنفسها، في شخص كفيف. وتحدثت حول ذلك الذي يسرى بين الفوارق فيربطها. ["حزمة أمل صغيرة"] و"تمييز الأشـبـاح"، خطر لي ، واللامبالاة. تأمل 1ظل، يهديء الروع وايجنا سيو دى ليولا.
شرح لي (أ.ل.) أنه توجد حروف ساكنة في اللغة العربية أو بالأفضل تعبيرا ً حروف متحركة وحروف ثابتة. في محاولة فهم كم يمكن أن تميز الصوتيات في حركة الحروف الساكنة وأتعلم "المتحركة". أترجم "المتحركة "خطأ" ("خطأ حقيقى") بقولي "حروف متحركة"، لكي أفهم. لست متأكدا ً تأكدا ً قاطعا ً عما إذا كنت قد فهمت فعلا ً ولكنني أشعر على الرغم من ذلك بثقة في الحديث. في هذا الشكل السطحى للصباح المزين لغيره والخالي في ذاته من الزينة فى المحصلة. قال (أ.ل.) "كامنا ً في قلعة الهامبرا بكل نقىّ المشاعر". وقال (أ.ل.) إن عنده مزاج أن يفعل شيئا مجنونا ً وسألني عما إذا كنت أريد أن أعرف السبب، فقلت نعم.
جلس على أريكة على ضفة النيل وبدأ يحكي. كانت في رأسي بعض الخيالات التي تشغلني عنه. أفكر في زبالي القاهرة وفي قصيدة لإيمان مرسال:
"… لاشك أنه داخل هذه القوافل/العامرة بمخلفات البيوت/، لم يزل هناك/ في القطن الذي لم يعد أبيضا ً/ أجنة كثيرة/ لها عيون أوسع من الرعب/ ولاتستطيع أن تشير للأرحام / الأرحام التي أسقطتها)
واصل (أ.ل.) حديثه وتذكرت الصياد. صرت في شبكة الصياد ("شبكة النيل") أسير اليابسة. أتخيل كيف أحب، الصياد، وبالأيدي هذا الحب [كلمة كبيرة]… لاأتخيل حبا ً أمامي أى حب. كيف يتنصت على ما بالداخل ويحمله محبوبا ً للخارج. على الأقل النية، المحاولة… كيف تصير الكلمة جسدا ً وبالعكس. هل يمكن أن تنفصل فعلا ً؟ أدون: "1 صياد نيل أحب الإسكندرية". أشطب الكلمة ثانية. أصلحها: "1 صياد نيل، الذي في الإسكندرية". أسحب قصته لدفتر ملاحظاتي، والتي تصير لي بكل أنفاسها، دون أن يدري هو عن ذلك شيئا ً، أي أفكار تقصه عن الشاطيء. أعترض بفيتو داخلي وأؤكد لـ (أ.ل.) كيف يقطع شرودي ويطرح لي سؤالا ً يلقيني في قاع بلا قرار. دموع في العين. في خلف الرقبة شمس حارقة و (أ.ل.) الذي يواصل الحديث. دائما ً حول النار. أضع عيني تحت الماء عندما قص قصته، قصة الصياد الذي….
ترجمها للعربية: د. طارق عبد البارى
6 مايو 2004
… أصحح نفسي: "1 صياد نيلي، ذلك الذي في الإسكندرية." أسحب قصته لدفتر ملاحظاتي، والتي تصير لي بكل أنفاسها، دون أن يدري هو عن ذلك شيئا ً، أي أفكار تدفعه أماما ً في سردها من الشاطيء.
أعترض بفيتو داخلي وأؤكد لـ (أ.ل.) كيف يقطع شرودي ويطرح لي سؤالا ً يلقيني في قاع بلا قرار. دموع في العين. في خلف الرقبة 1 شمس حارقة و (أ.ل.) الذي يواصل حديثه. دائما ً حول النار [مرادف الجحيم]. أضع عيني تحت الماء عندما قص قصة، قصة الصياد الذي يدفع بشبكته فيما يحركها / فيما يدفعها للأمام وإنسياب الكلمات/ إنتزاع الكلمات [إنسياب الكلمات ونهر الانتزاع] كما في المحيط، في محيط لايكبح جماحه وكما في هرج الأصوات وإضطراب رذاذ البحر والأمواج [1 رذاذ أصوات] فُـجَـاءته في الوجه. بحر من الأصوات هائج وناضح على الوجه 1 ذبذبة موجية ذاتية والصوت في قيلة الماء، غير داجن. ("متوافق، بطول الشاطيء") من أين؟ إلى أين؟ بلا عدد، بدأ عده ورسا على الشاطيء.
عرفت من (أ.ل.) أن كلمة "قاموس" في العربية تعني "محيط" وتعني "قاموس" كذلك – وأتخيل: أنا الهاو ، الهاو في علمه، أني أغطس / وأعوم تحت السطح على الأجناب/ مياه جانبية وخدر نصف أصم [تيار تحتي خارج وداخل] تيار قوي من الأمواج الجانبية في التيار التحتي. 1 تيار قوي في الكلمات، يرغمني على التجديف في عكس الإتجاه أقترب بكامل الجسد تجاه الكلمات وأسقط. نحو الأعمق وأسقط ولم أعد أستمع للمحيط، والأذن غارقة في اللاسمع وليس للهرب مما سمع من سبيل. 1 غرق سمعي 1 أذن، عندما يعكف (أ.ل.) لايزال، بكل مباغتة، على أن يسألني في وجهي "هل يستطيع المرء على أرض…؟ أقول "أن يتكسر". "بمقدور المرء – أن يموت؟" – "عن أي بلد تتحدث يا (أ.ل.)؟ ومن؟ قل من؟" – أبحلق فيه وعندئذ تمر هذه القوافل من الحافلات. هذه القوافل من النعال والأحذية تمر، الفتارين ومعروضات شبابيك العرض و. ثم صمت (أ.ل.) لأول مرة منذ عرفته، صمت (أ.ل.) وتلاشت عندي أصوات القوافل الحافلات النعال الأحذية، صمتت قصة الصياد النيلي. وإرتد ترجيع الإسكندرية صامتا ً – "فلنمض"، قال (أ.ل.)" دعنا نمض. لابد أن تعي أن هناك أشياء لن تفهمها. مطلقا ً. إنك تحب فقط لكى تعاني. فلنمض هنيهة وننسى ما قلناه لتونا منذ قليل. ثم قال (أ.ل.) "إنني آمل أن تدفعك إقامتك هذه بالقاهرة نحو مرحلة أكثر عمقا ً في شعرك". ولاأفهم كلمة "أعمق"، أريد قصة الصياد فحسب. أكرر: 1 صياد نيلي، الذي في الإسكندرية. "سمكة"، حكى الصياد النيلي، كان لها في فراشة بديعة. جعل الصياد الفراشة تطير طير الأحلام وأنها كانت تحمل أجنحة في العيون الزعنفية. أجنحة تلك التي باقة ورد. أجنحة تلك التي غرنوقيات رملية، منزوعة من الماء عنوة ومن الأرض هواء – "أين سيسكنون؟"
"تسألني أين سيسكنون فلنذهب للمدينة القديمة. لمقبيات البيوت الحجرية، تحت الأسقف الترابية، الكتابات الغبارية. تعال. سأريك نوافذ. نوافذ ليست بنوافذ وأخرى تصير نوافذ"، هدأني (أ.ل.). ربما نجد قصتك هناك. لاتقلق. سوف نجدها. أنت تعلم أنك وعدت-
اتفقنا على أن نلتقي لاحقا ً وأسمعه يناديني: "ولاتنس أنك والقصيدة". "أنادي علي (أ.ل.) هل تعرف ذلك الموضع، ذلك الموضع الذي يصفه إلياس كانيتي في كتابه؟ لابد وأن تسمعه يا (أ.ل.) اصغ إلي: أحاول أن أكتب تقريرا ً عن شيء، وبمجرد أن أسكت ألاحظ أنني لم أقل شيئا ً بعد على الإطلاق. مادة موحية ثقيلة على النفس تتخلف في نفسي وتتنصل من الكلمات". أرى (أ.ل.) للحظة في جسد الماء. ثم بنَـفْـسِه بيني وبين الصياد النيلي. يضحك كلاهما. "فلنذهب للمدينة القديمة. نلتقي هناك" وأرى الكثير من التجاعيد الخفيفة ("ملونة سوداء كما لو كانت إثر مطر جاف" و1 صورة فوتوغرافية (موسطنة وبالألوان)، بوش، وجه أستحضره، حروف هجائية مصفوفة وسوداء بلون كتابة الصحف. رأس . أتساءل هل هذه الحروف العربية المطبعية سهلة ومفتوحة الجناحين أم خريفية وثقيلة/ مظلمة مغبشة ["سوداء مشربة بالحمرة"] ولا أستطيع أن أفك شفرة المقال. أكتب على غير المقروء/ الذي لايقرأ ومع ذلك 1 ملحوظة مدونة.
1 ملحوظة فوتوغرافية
بتجاعيد وخربشة. 1 رئيس/ حروف
مطبعية/ ألقي بعصىّ صغيرة
من الحنطة
في صحاف الصدقات الخشبية
"أجنة سوداء
لها عيون أوسع من الرعب"
دعنا نذهب للمدينة القديمة. هيا.
ترجمها للعربية: د. طارق عبد البارى
7مايو 2004
… هذه المقولة لمذكرة من المذكرات اليومية [1كتاب- أيام نهارية] وكان الأحرى به أن يسمى "كتاب ليلى". ليل أهل وإقترب 1 كتابة/ كتابة لاحقة لأهديء المعايشات النهارية/ الذبذبات اليومية لأهديء الكلمة/ زمن الكلمة.
الوقت ببساطة هو الذي ينقصني كي أدون كتابة لذاتي والمسافات البعيدة عني كي أجد نفسي في التالي دون أن أفقد ما هو كائن وما هو حولي وبي. وقت من تيار تحتي. الجملة التالية. الوقت الذي الجمل. أريد على الرغم من ذلك أن أقصه لنفسي، أقاطع الصور – هل الصور هي نوع من الكلمات الأولى؟ هل يعني هذا عدم الثقة في السمع/ فيما يسمع؟
(ولا أستطيع في الأساس ألا أثق لأنني لاأفهم، لأنني بدون لغة لاأستطيع ألا أثق وفي النهاية ليس لي إلا الصور [صوري] من هاو -) وأرجو 1 وقتا ً في بيت كتابتي، ألا أكتب الجمل كاملةً. (فكرة جميلة: آخذ وقتا ً لا أكتب فيه الجمل كاملةً، بدلا ً من ذلك خبز بلدي في الفم [من زلاقات الخبز وأصل نفسي بقرب الأرض من الخبز وإستيعاب دفيء الخبز، دائما ً 1 جوع متأخر]
:خبز بلدي وملح. آكل مع نفسي، مع نفسى صداقة وثيقة بإسهاب). أظن: لامغزى من صياغة جمل كاملة. أعتقد أنها يجب أن تكون جملا ً تقطع نفسها بنفسها، مثنية نحو الداخل، تبتكر الأزقة مرة أخرى، تفقد نفسها بغتة، أن تكون نهر كتابة يترنح ويظهر من جديد. لايمكن توقع فجاءته. افكر في "سوق" أو "بازار". [أحكي بجمل – سوق وأؤسس نحوا ً بزاريا ً]. أجمع طيلة النهار خريطة مدينة للكلمات بالأقدام بالجلد وبالرأس والقلب الكثير. وأفكر: على أي حال الذكريات ممكنة في الليل في إحدى تأملات الذكريات. أو ممددا ً في المسجد. راقدا ً على السجادة بعينين مغمضتين. [هدوء الأعمدة، متكئا ً على هدوء الأعمدة]. وبذلك فإن الكتابة تصبح على الأقل1 هدوء أعمدة (الكتابة المدونة) وأيضا ً أثناء النهار وربما يكون ممكنا ً أو أنني أبتكر لنفسي كتابة على حافة الصحراء، عند التعرف على الصحراء وعالما ً بحوافها. (تصور أن تضل الطريق بالكلمات وأن أرى الأهرامات [الجيزة] سرابا ً فقط، وصفا ً لسراب. تصور 40 يوما ً في الصحراء، أربعين يوما ً بلا كلمات، فقط عين، عين قلبية تشعر وتحس والأيدي بلون رمال الأهرام وتقودني أساطير الغربة الذاتية). في الكتابة إلى اللاكتابة. مع شريط الكتابة الذي يضل في الصحراء أو يحفظ ليلاً ويقبض على نفسه بنفسه ويعود فيدون في المعايشة ما تم التفكير فيه ويتذوقه فيما بعد/ يشك شكا ً لاحقا ً؟ أرسم لنفسي خريطة للمدينة قبل أن أركب التاكسي: خمسة مدخنين على سلم متحرك في الزمالك، الزي الأبيض والأسود لرجال الشرطة (الصيف والشتاء)، [موقف ونقطة مرجعية]، صعيد مصر في الوجوه ("الكثير منهم لايعرف القراءة ولا الكتابة") ويتكئون بظهورهم جالسين على مواسير البنادق. ضباب ودخان رملي وأشعة الشمس في الفم، إفريقيا في سخونة الفم على النيل وجاهزة. الجلاليب أكثر شيء إنتشارا ً/ الرجال تيار هواء خفه/ 1 حال القطن فارق/ 1 توزيع وتقسيم للقرب والنسل . الإتجاهات الأربعة الأساسية ألحظ أخيرا ً قمصان بيضاء ودبابيس كرافتات وسلاسل تعذيب [القبض على القديس جورج] وأفك في الصلاة شفرة 1 احساس داخلى حول جوز الطيب . الفلفل الأسود . القرفة . وجثة آخر المدافعين عن مصر ضد "الأتراك" وقنابل المدافع، من الحجر ("لحم الحجر") نامية.
1 مرج الأسواق في الجمل في كل خطوة 1حروف هجاء معروضة للبيع – أخيرا ً أوقف تاكسيا ً بخريطة مدينة الكلمات، أتأكد من أنه توجد بيني وبين السائق واحدة من أنجح إمكانيات التفاهم الواعدة ولا أتفق معه على سعر. لاتخطر ببالي كلمة "المدينة القديمة" فأقول "الأزهر" فيوميء لي السائق برأسه ويفتح لي الباب الخلفي للسيارة.
ترجمها للعربية: د. طارق عبد البارى
8 مايو 2004
…أتجه إذا ً إلى المدينة القديمة. "لاتوجد قاهرة واحدة، توجد قاهرات كثيرة. "لاأعرف عما إذا كنت فعلا ً سأقابل (أ.ل.). في أي قاهرة سأقابله أساسا ً. في القاهرة الإسلامية؟ في القبطية؟ الجديدة؟ الأوروبية؟ القديمة، قاهرة الأموات – ينبغي أن أزور "مدينة الموتى"؟ يقال أن بشرا ً يقطنون هناك. أحياء بل وأن هناك مدارسا ً مقامة؟ – مدرسة في القرافة؟ متى أسمعه من جديد؟ في "القاهرة الباريسية"؟ في قاهرة خيالي 1 قاهرة مكان زمان محل [مكان وقاهرة محل وزمان]؟ أشك أيضا ً فيما إذا كنت سأجد القصة مرة أخرى/ أو أنني سأجدها ثانية فى أى وقت كان: [1 صياد نيلي، الذي في الإسكندرية].
كان (أ.ل.) يريد أن يذهب معي إلى جامع الأزهر (فقال: "الأزهر" الذي أسس في عام 988 ليكون مكانا ً للتجمع لصلاة الجمعة). وعليه أجلس في التاكسي وأذهب تجاه المدينة القديمة ووصف التاكسيات/ العالم الداخلي للتاكسيات/ بمثابة مسودات في إنفتاحية فكر قصة / أرابيسك قلبىّ و [أحشاء المشاعر]. وعليه أجلس في أحد التاكسيات وأسميه مقصورة خاصة للأسرار المقدسة غرفة على عجل أو: "إنني في الطريق مسافة 1 غرفة معيشة". من (أ) إلى (ب).
ومرة أخرى وجدته/ غالباً في الحقيقة ما يخشى المرء مجرد الإشارة للسائق إلى هدف الضيف وعلى قصاصة من الورق مكتوبة سلفا ً يدون المكان الذي يريد المرء أن يذهب إليه. أو الذي ينتظر وصوله فيه. ألوك بلغة إنجليزية اسم هذا المكان المتوقع أو أشير إلى الحروف العربية بإصبعي. (دعامة وجلة – لأبجد هوز ، الحروف الأولى تشير في توجس، التي فهمها والتي جعل يلتقط أصواتها من حيز الفم الذي ظل يزداد غربة. كما لو كانت محاولة أن تهتدي لما تريد هي عملية تلوين على سابق مثال أو رسم منقول). أحاول أن أفك شفرة الصوتيات، أتدرب. أتدرب على أن أحاكي الكلام بكل ما هو غريب على الوجنات والحلقوم، "الحروف المتحركة" القصيرة والطويلة ("التي توجد ولاتوجد في الحقيقة") التي لاتترجم وتغير النطق الصوتي للحرف، 1 حركة وحركات الحروف الساكنة. (أحرص على أن ألاحظ بإنتظام أثناء انتقالاتى الحي الذي أريد الذهاب إليه أو ميدانا ً أكبر يقع بالقرب من المكان الذي أهدف إليه. نافورة، أثر، مسجد). وعليه فإنني في التاكسي، أفكر: دولاب أسري صغير والأحباب". إنني في هذا الحيز الداخلي المرتجل بعناية عنصر خارجي منتقى من الحقيقة: أحلام. قصاصات قماش كالشظايا وقطع بلاستيكية . صور الأسرة الفوتوغرافية الملصقة والمصفرة. الحلم والحقيقة يضمهما التاكسي. بوستر مصغر/ 1 حياة على الكسوة الداخلية للأبواب والسقف. الأطفال على عداد السرعة على الباب أسفل عجلة القيادة وأحجار متلألئة. 1 موازييك من السجاجيد ودعاء الحياة اليومية – وفي الجزء الخلفي من السيارة الضيف المقحم، الذي يتطلع لصور الأطفال، مسبحة الصلاة، العين التركية وعلبة المناديل الورقية المطرزة بحبات زجاجية 1 زجاجة مياه 1 راديو أو مسجل شرائط كاسيت، يبث دعاء اً [حضور العقيدة]. ويد السائق على النفير [الكلاكس]. دائما ً على الكلاكس و1 اندماج عجلة القيادة مع النفير. الكلاكس هنا هو عين إضافية/ 1 عين إضافية [عين كلاكسيكية]. عيون كلاكسية تتحقق في تعددية الحارات في سم الخياط 1 تسلل وهروب.
سأقول لـ (أ.ل.) أنني سمعت الصياد النيلي، إنه يغري الأسماك ويجذبها بأصوات الطيور ويستند على أعمدة الكوبري/ أعمدة كباري الماء.
هل لابد أن يكون الضيف فعلا ً "بلا قلب"؟ هل الضيف "بلا قلب" كما يقول كانيتي؟ أنا "الذي بلا قلب" أتعلم لغة العيون الكلاكسيكية، طعم الطحينة في الفم والزنجبيل (وزنجبيل منعش للفم). 1 في الأيدي فاكهة حلوة (كانتالوب؟). في الأيدي أصوات طيور الصياد النيلي وخضرة الصبار الأمريكى [أخضر فاتح خضرة الصبار في صوته] 1 شبكة 1 يد ملأى بلون الكانتالوب الأكري (لون جديد).
ترجمها للعربية: د. طارق عبد البارى
9 مايو 2004
صوره أبيض وأسود
تعيين للمكان بالألوان الدليلية. [أسود رملي وأبيض رملي]. الحارس
الليلىّ . مسبحة الدعاء في اليد وبجانبه
1 شرطىّ (في الصيف
"أبيض الزىّ") مرتلا ً القرآن
بصوت مرتفع. المدينة
/ مابعد منتصف الليل يدعو للتأمل
ساعة:
نقلة عقرب الساعة. كيف استيقظنا كيف
أوقظنا/ في الزوبعة تركع أمام المسبحة وسلسلة الصلوات
النظرات المطوية تحت ركن العبادة والدعاء تمثال
مريم برأس مغطى
يوم كهذا القمر فيه بدر و ما من سحابة
في السماء و
كيف لم نفهم الكلمة
" نَحـْس". عرفنا فقط آنذاك
أن الكيـعـان المفتوحة والركب تبرأ من الجروح. 1هلال
صورة في بنية الرأس . قلب . والسنابل بزرقة المعطف
خلف الصليب الخبز/ خبز الجسد
: ساعة
نقلة عقرب الساعة. كيف ُعـبـِد الخبز المعروض للبيع على الأرصفة
وليس في حاجة للمزيد من الإشارات والإيماءات. [عوز الخبز].
"زلاقات الخبز" فيما بعد
حضور الجوع/ حضور مضارع دائم واتفاق تجارىّ 1 تغــبّر أرضىّ
وأحمل كمامة ضد الرمال حول الفم وقاية للروح/
ترجمها للعربية: د. طارق عبد البارى
10 مايو 2004
… أفكر مليا ً في 1 مسودة قصيدة ("حراسة الصيف" و "بياض زي"). كما أنني لاأريد أن أفقد أثر الصياد النيلي – "الحب يعني المعاناة" – ولابد أن أقابل (أ.ل). لقد وعدني بأن يأتي معي إلى المسجد. ووجدتني فجأة في هذا التيار البشري القوي [خان الخليلي، محط القوافل القديم]. أتعثر في زخم العيون والآذان الدائخة المترنحة الغائرة/ الموروبة ("ذات التنسيل العرضي"). [جمل من رمل سيار على جسدي. تموج الكلمات وجمل من رمل سيار تحط فجأة على جلدي]: "تصفيق بري بأجنحة أصوات السمك النهري". كما لو كان التودد في حد ذاته معروضا ً للبيع. وأنا إحساس بالخدر/ "قلب يغير اتجاهه فجأة"/ جسم من قصاصات الأصوات وإذا بالشطر يقحم نفسه: "1 بياض زي يعمل ورقة مخالفات لفراشه. إنتهى". أم "أنه لايوجد على الأرصفة سوى السماح، لاصلح". ولاأعرف ما الذي قادنى لهذا.
أسمع خطوا ً على خطو „Sir, have a look!“ 1 „Change money?“ / „Buy gold?“ „Sir, have a“, „Sir, – only a look!” أشعر بالشلل مرة واحدة في هذه الإنجليزية المقتضبة/ المتكفئة/ مُستأنَسا ً ألين وأتنازل أكون فقط في صورة الأجنحة المرتعشة ("1 فراشة تفرغ بلا حيلة ألوانها على بياض الزي"). مجددا ً صراع ورد للمغالطة والدوار. “Where do you come? “come, come” أنا المبحوث عنه بلا حيلة ولا وسيلة بحذق بالغ في هذا التيه، في هذا الموصوم بالزيغ والتحريض وبالرأس البدوي الرحال ("أذني المتلعثمة"): 1 صفير مطلق غاد ٍ وتلويح داع ٍ. أصير واحدا ً سرياليا ً. لونا ً ولعبا ً/ 1 مناورة سمعية. [أفكر مليا ً في 1 قصيدة أخرى: "جلست على 1 كرسي هزاز/ ميتا ً. الفتاة/ ذات العيون/ الخضراء. طارت/ 1 فراشة من أمامي". منهك/ مشدود ونشوة الألوان والصور والكلمات. قريبا ً المدخنة وهج الجمرات والتحلل في الممدوح. أغلفة كتب نحاس أحمر نحاس أصفر. حجر متلأليء ورائحة في الجلد المدبوغ. حول الآذان شيَش، رقبة وسلاسل حاملة أقداما ً، خواتم قماش قطني حذاء. على كل يد لا خرساء ومتعدد الوجوه، مصفر الوجه/ تراكم القصص لامع المنشأ 1 منضدة بيع محملة بالتمائم [1 طوطم شراء عجيب] العلامات التالية في خلف الرقبة: “Old Egyptian History” ولم يعد شيء يوقف عيناي. عيون تسلم للهرب وأذن. أذناي مرارا ً وتكرارا ً. متجسدتين/ مجسدتين السمع لشبكة صيد الجسد: محشورا ً في ظلال هلالية من جراء بسط الذراع في مسقط الأشعة 1 قبضة يد حلم ووهم. أنا المعنى وكل فرد. أكون في صفاء الفراشة والقصيدة التي أبحث عنها / المراد كتابتها كبضاعة من القصاصات بين بقع شعاع نور شمس خافتة أوراق بردي فراعنة، [كلهم جميعا ً متمتحفون آمنين، مومياء مجلدات مصورة ووجوه مسروقة/ أقنعة من رؤوس الحيوانات]، ونظارات شمسية يبحلقون فيمن ينظر إليهم. دمي راقصات شرقيات يخطفون البصر بوضوح في فضة التطعيم [قطع الحلي]: 1 بازار مليء بعلامات الإستفهام نحو أمان الصدفة وتسديدها/ ضربة الصدفة؟ مرج الصدفة وإختلاطها كتجمع البشر أنفسهم.
وأ:صير في هذه اللحظة نظرة سمع في الدوار: 1 تسوقه أذناه خارج الإضطراب/ آثار الذهب/ إعماء الذهب بين السور المنشفة الأصوات/ ميكي ماوس والحجاب. أدس نفسي مواصلا ً مروري الخلالي في ومن القطع اللامعة المتلألئة وتذكرني: "المسجد/ سكون الأعمدة مفتوحا ً على السماء. أو لمحفوظ": الفيشاوي، حيث كان يجلس هناك يشرب الشاي فى بلاطه، آنذاك كانت تأتيه المؤلفات التي تستهويه ويرجوها أن تدخل كتبا ً في عالم شوارعه. ("مقابلة من يستحقون: أزقة سكر بشر نيل). ويقال أنه هناك في الزخارف العربية الجانبية للمقهى كان التجار يجثون بين يديه على ركبهم.
ترجمها للعربية: د. طارق عبد الباري
11مايو 2004
كل شيء عبارة عن موزاييك لن نتمكن يوما ً من تجميعه. القاهرة، تلك التي أعيد أبداعها فى نفسى من جديد، التي دائما ً وأبدا ً لها القول في كلمات جديدة ، ربما كلمات لا تخترق، القاهرة تلك التي أشعر معها وأتلمسها. إنها تلعب دومينو معي. "المنتصرة" بالنسبة لي ذاكرة موزاييك – حتى ولو كانت غائمة جدا ً جدا ً – تخط نفسها يوما ً بعد يوم من المعلوم للمجهول، تفتح العين والروح كي تنسحب مرة أخرى وتحتجب. تعارف من جديد، بل هي 1 ألفة فيما هو دون الحياة اليومية، ولكنه في الغالب ما يكوّن حزمة من علامات الإستفهام. بأسئلة أو بدون أسئلة، تلك الأسئلة التي هي أساس لها: (أي أسئلة فعلا ً يستطيع الزائر أن يطرحها؟)
الشُرَطِيّون الذين لم يتسن لي بعد أن أتفرسهم (أبدا ً؟) أن أستوعب تيقظهم الذين يرتدون الزي الأبيض والأسود (الزي الأبيض والأسود لحماة النظام والتنظيم/ "الصيف والشتاء").
أصحاب الزي يلفتون النظر. في كل مكان تقريبا ً ودائما ً.
أو نداء الصلاة للمؤذن – إنه يشيع في نفسي، كما إستشعرت هذا من قبل، هدوءا ً وراحة. خاصة في المساء وبعد الظهيرة، (عندما أسمعه في صخب المرور)، كأغنية تحلق فوق كل شىء، نشيد الأناشيد ، كانتاجوندو". لأن سيمفونية الشوارع التي تدعو للإستغراب والتعجب لفوضويتها، سيمفونية كلاكسات السيارات بما يصاحبها من جعجعة وصلصلة وصخب الشوارع المنبعج هو بالطبع حاضر وموجود في كل مكان (تقريبا ً) ويطبع الجمل بِنَظْم خاص تماما ً.
أريد أن أذكر كذلك (أ.ل.) الذي يظهر مراراً وتكراراً أو يختفي ولاأنسى: "صيادي النيليّ". أقابل كليهما عدة مرات في اليوم. (لابد أن أسألهما في أقرب فرصة عما إذا كانا يتواعدان ويلتقيان أيضا ً بدوني. أتحرق شوقا ً لأعرف كيف يكتبان قصتي(!) لنفسيها). عندما ألتقي بأحدهما أو حتى بكليهما فإنني أدون قصاصات حديثنا الخاص المتميز على أول أفضل ورقة تصل إلى يدي حتى لاتضيع مني خيوط قصصهما. إلا أنني، تخيل، بمجرد أن أفعل هذا، فإذا بهما، هوب! – يهربان مني وأفقدهما.
ولكن مرة أخرى عودة إلى الحياة اليومية "الصغيرة" هنا في "قاهرتي". عودة مرة أخرى إلى الفصال اليومي حول الأجرة مع سائقي التاكسي – كنت بالأمس فخورا ً فعلا ً بنفسي أنني إستطعت أن أفوز بعد نزال مع أحدهم بتخفيض 5 جنيهات مصرية من الأجرة. أما عن ألفة قدمي لطرق السير الجرباء والشوارع الجانبية، فيمكنكِ، عزيزتي القارئة، ويمكنك عزيزي القاريء أن تسأل حذائي. ألفة المشي التي أكتسب القليل منها من يوم لآخر، تلك التي تجعلني أتمتع بمذاق الوقت هنا في القاهرة. الزمالك أو وسط المدينة، كباريه، مساجده وشاطيء النيل طعم النسكافيه والقهوة التركية، الطماطم والخيار والحمص وزجاجة البيرة (سقاره) كل مساء مع جرجس، 1 صديق شاعر، "الذي فقد معطفه" والحركة الموجية لمناديل الرأس.
(وعلى فكرة فإن السؤال المفضل لجرجس بعد زجاجة البيرة الرابعة أو الخامسة هو " Tell me, my friend: where should we go? (“where should we go?”
حتى أسئلة الصحفيين، سواء أكانت عربية أم ألمانية، فإنها تلتقي جميعا ً في تشابه مباغت شغفا ً وهمّا ً. توجد صعوبة حتى الآن في إيجاد مستوى لغوي مشترك خاصة وقبل كل شيء أنني أثناء الحديث مع وسائل الإعلام الناطقة بالعربية أكون معتمدا ً على الترجمة (الصائبة بشكل أو بآخر) وأن الحديث حتما ً – مثلما قول آمين في الكنيسة – سيتطرق إلى فلسطين وإسرائيل أو العراق. كانت أصعب لحظة مؤخرا ً عندما وصف أحد الصحفيين المصريين الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطنيين بأنها "هولوكست" جديدة.
إنه إذا ً تجول مستمر على حافة اللغة وهو إلى حد ما ليس دائما ً أقل وعورة في المقابلات الصحفية باللغة الألمانية. (ربما تكون حالات سوء التفاهم في لغة المرء أكبر). لذلك فلقد عودت نفسي على أن أرد في الأغلب بقصص. والشعر، بسبب طبيعته المجردة، يسهل عملية الإتصال بشكل كبير. كان شيقا ً ذلك الحديث منذ أيام مع مراسلة صحيفة فرانكفورتر ألجماينة تسايتونج. خاصة عندما تطرقنا للحديث عن الإله "الغفور" و / أو "الـُمصالح"…
لاأريد أن أضنّ عليك فالإفطار أيضا ً في فندقي بالزمالك فى الصباح الباكر يطيب بالنسبة لمن يتأقلم بالتدريج في المنتصرة (القاهرة)1 ، إكتشاف بالتذوق، يستطيع المرء بهذه الطريقة أيضا ً أن يخلق أماكناً له. التفاح المحمر ومربى التين والخبز البلدي. (معذرة عزيزتي القارئة، عزيزي القاريء، ولكنني أفكر في أن الصياد النيلي أيضا ً – أنت تتذكره – "1 صياد نيلي، الذي في الإسكندرية" كان يعشق أكل التفاح المحمر. لكن بالأمس حكى لي مصور مصري بعاطفة حارة أن المطبخ السوري هو أفضل مطبخ في محيط المنطقة.
إلا أن صحبتنا هذه المسائية المسترسلة سرعان ما ساورها الشك في تأكيده هذا الذي يغمره الإنفعال العاطفي. لأن المدعو أبو كاميرا متزوج من سورية. فما أن نطق بهذه الجملة حتى استطاع أحد فنيي الصوت من المولعين بالدردشة والحديث أن يجلي هذه الحقيقة.
ولكن. وعلى أي حال ومهما كان الأمر: يطيب لي مذاق المطبخ المصري كما تطيب لي مصر نفسها أو على الأقل ما إستطعت أن أتعرف عليه منه حتى الآن. فالزنجبيل الطازج على سبيل المثال كان إكتشافا ً. إلا أنني يجب أن أعترف بأنني لم أستطع أن أكتشف بعد هذه المادة التي تعطي القهوة نكهتها. وفي مقابل هذا كانت الشوربة الخضراء [الملوخية] “delicious” – كما يكرر جرجس هذا دائما ً بعيون لامعة. وترجموا لي أن "الملوخية" نوع من "شوربة- قرّاص النار" (؟). إن طعمها يبدو على سبيل التقريب- لنقل مثلا ً السبانخ الطازجة. إلا أنها أكثر مصرية. أما فيما دون ذلك فإنني في هذه اللحظة أتوق لبعض قطع من "كريات اللحم" (تحية مطبخية للوطن!) وسوف أسلم نفسي لاحقا ً ربما مرة أخرى فى تأملى للإله "الغفور" أو / و الـُمصالح وبالطبع سيكون الإهداء لهذا الصياد النيلي. هذا الصياد النيلي الملعون!
فلقد كشف لي في لقاءنا الأخير منذ أقل من ساعة
عندما كنت أقف في إحدى الإشارات في شارع البستان أنه توجد مقولة حساسة عن مصر أو عما هو مصري. مقولة عربية (؟) لم يكن متأكدا ً تماما ً، ربما كان هذا شاعرا ً عربيا ً من الأزمنة الغابرة، المتنبي، روي عنه أنه قال:
"إن الضحك في مصر بكاء خالص".
ترجمها للعربية: د.طارق عبد الباري
12 مايو 2004
في جمل غير مكتملة
كيف أنني فجأة في داخلي ونداء المؤذن بي خلال النخاع والعظم/ كيف يتملكني/ 1 موجة غامرة من العبادة، ونحو الأرض إنحناءة/ السكون فجأة والتأثر الذي من الغناء الذي من الدعاء/ الذي من بعيد للذين هم راكعين في الصلاة/ مثلما لي 1 صورة فوتوغرافية طفولية [صورة داخلية]/ 1 بعيدة قَـصِـيّة في صورة الحج/ 1 أم 1 أب [صورة سمعية]/ من زمني/ مثل دوى الصوت (موسيقى)/ مثلما يحملني غناء الصدى في "مؤشرات الساعة" وملجه [جمعة الآلآم] يحملني/ من الموكب مترنحا ً حول العرش مظلم الضوء/ 1 فوح ضوء متردد هياب في الأسود في رداء أسود شمعي [لاسيرفيتا] وأم الإله في حد ذاتها 1 غير مفهوم وجلسة خشوع [ 1 ألم/ (وجع) كيف أني لم أعد أعرف أي إله في أي/ كيف كانت الصلاة بالنسبة لي/ شعر وتمام ونهاية أنت وأنا في منعطف نهر الصوتيات/ ذوو عاهة الصوتيات/ إستطاعت تلك التي هناك أن تصلي ولم يعد التقية دواخلهم أطول/ في الإتجاه المضاد/ كيف أني ظهري لهم/ ناظرا ً نحو مكة/ على جلدي جلد الروح/ 1 مؤذن وبحثت وابحث عن وجهة/ بحق الله لم أعد أعرف.
ترجمها للعربية: د. طارق عبد البارى
14 مايو 2004
ضمائر شخصية
"أنا يأتى"، قالها لي سائق معهد جوته في الإسكندرية اليوم صباحا ً، عندما أوصلني للمحطة القديمة بالإسكندرية.
"أنا يأتى في دقائق!" أراد أن يستعلم من شباك الإستعلامات لأنني لم أستطع أن أفك شفرة البيانات التي على تذكرة القطار ولا هو إستطاع أن يهتدي إلى شيء حول هيروغليفية الأرقام المضافة على تذكرة السفر.
"أنا يأتى ". فكرت هنا في الحال في بيت شعر لريمبو: "أنا هو آخر". ربما أكون فعلا ً المرء في المفرد الغائب إذا لم يفهم أنا 1 لغة.
ترجمها للعربية: د. طارق عبد البارى
15 مايو 2004
… بطأت اليوم من سرعتي/ مأسورا ً يقوضنى البحث وإقتفاء الأثر وملاحقة الإبداع المتولد. لأول مرة منذ بدأت في القاهرة كتابة كتاب أفكار في مشاعري (والعكس)، في الأصل "معايشة الكلمة"، أن أزور جريده– الأهرام ويكلي، وهي النسخة الإنجليزية من الأهرام – كي أقرأ ما الذي يتكلم عنه أغلب الناس هنا في الأيام الأخيرة وأقرأ في إحدى المقالات الرئيسية " „The atrocities commited in Abu Ghraib are only a chapter of the real problem which is occupation.“ [باكس أميريكانا وأبحث لإستيضاح معنى 1 كلمــ : ـة أعجمية/ إستيضاح الفظاعات الوحشية).
dead city، "مدينة الموتى"
أهم قصيدة
يقول جرجس
إلى جرجس شكري
وبالأمس تحدثنا في دائرة الأصدقاء المقربين التي تكونت في هذه المدة القصيرة – أنا وجرجس وأبو عبيدة، للأسف لم يأت (أ.ل.) معنا – حول الحرب وحقيقتها التي تتوحش (حرب واحدة فقط؟) والتي تحتم علينا أن نتكلم عنها في حديقة ألف ليلة وليلة بفندق ماريوت، أي أننا بالأحرى تلعثمنا في حيرتنا في البهو الداخلي للخيال لقصر الفندق [باحة الشرق] عندما كان فعلا ً بمقدورنا أن نتكلم عما هو غير قابل للفهم لملقيات الظل. [نوع من التلعثم المتكأكيء علـى صاحبه للأفكار والمشاعر، عندما لايستطيع المرء أن يفهم ما الذي يتم ولايتم فعله في الكارثة وعندما تصير كل الإيضاحات أية إيضاحات، أكثر منها إستمرار ا ً للحرب ومواصلة لها]
اصطفت البلاد أمامنا بحدودها الواقعية والسريالية كقيم إحصائية محفوظة عن ظهر قلب وفي لحظة ما ورد أيضا ً اسم جبل نيقولا. [كان (أ.ل.) سيقول الآن بالتأكيد "واحد زائد وقابل للتبادل من المنطق إلى المنطق."] لكننا لم نعرف أسماء أغلب الموتى. الأسماء التي بلا أسماء لكل المختبئين والذين لايعرف عنهم العالم سوى عملية عد وتعليمات قومية وأخبار يومية قصيرة/ جمع وإجمالى الهوامش – كما لو كانت الأرقام حياة بذاتها تسري فيها الروح. أكثر حياة ً من البشر أنفسهم.
أما أولئك الذين يدور الأمر حولهم وبشأنهم فلم يصبحوا أكثر من مادة للحشو/ 1 عمل مدبر. كواليس عالمية . وغير هام . ومضت دون ما وراء ذلك . وألم . مجرد رقم ["ولم تعد التفرقة ممكنة . الضحية والجاني"]. كنا نشعر بأن الصيف قد أنهكنا في "جنة عدن" هذه النظيفة وكان جو فترة ما قبل المساء ["عاصفا ً ومليئا ً بالرطوبة"] كانت 1 حركة الوقت تتباطأ عندما رأيتني أجلس بين كل الضيوف الوجهاء والأقل وجاهة في قلب القاهرة وبدوت رويدا ً رويدا ً وكأنى أصبحت أنا شخصيا ً واحدا ً من زوار هذه الواحة مرهفي الحس أو المرهفين للمال، كي أتكلم مع تدخين الشيشة ["التبغ بنكهة التفاح"]، مع الفلافل والكريب (فاكهة وصوص الفانيليا بطعم الفراولة) عن الموتى البعيدين.
أخرسنا في وقت ما دغش الغسق ("خرس الغسق"). وكان علينا أن نسكت حتى اقتفاء أثر الحدود الذاتية التي عرفها كل واحد منا في داخل نفسه. السكون الذي أصبح ضروريا ً لنجد تحفيزا ً للكلمات مرة أخرى حتى لانستسلم، ولكن بلا حيلة، بلا حيلة فيما بعد الحدود أن نكون حاضرين مرة أخرى كما لم نكن كذلك في نفس الخفة التي تمنيناها لأنفسنا في نزهتنا الجماعية فيما بعد الظهيرة.
كتب الأهرام في اليوم التالي: “Is this the New American Century? (…) many Arabs are wondering if imperialism and colonialism is all the Pax Americana has to offer
حزن في ق.
أكريّ أصفر ضوئي/ زيت المساء
في الأكري الأصضر الضوئي [خرائط جوية]
في الحديث الخافت
"ضحايا خريطة". يقول
الذين بلا أسماء لأنفسهم. يبقى لي
1 هلال مليء بثقيل الكلام واللسان و
1 عين مظلمة
كما لو كان كل شيء كائنا ً في نفس الوقت ومنسوجا ً في كل ما يدرك. كما لو كان العالم مسرحية وحيدة من مسرحيات خيال الظل. التمثيل حول الظلام. والنور جزء من الظل نفسه. بورتريهات كل الشعراء والفنانين الأموات من قهوة "ريش" في نفسي، أغاني حب أم كلثوم (وقفتها الباريسية في صورتها معبودة الجماهير)، المطبعة الصغيرة في قبو المقهى من عام 1919 (عام الإنتفاضة الثورية ضد الإنجليز)، نادلو المقهى بزيهم التراثي. في نفسي ثقوب الإبرة التي ينسل خلالها قائدو السيارات في الشوارع اللانهائية وبائعو الخبز والسّقّاؤون وخريطتي الحديثة للقاهرة [ ELQAHIRA]. تصورتها ُشّباكا ً ُشّباكا ً، أحفظها عن ظهر قلب في صور وروائح: "غرفة استقبال" محفوظ [الفيشاوي] في "سكريته"
كما لو كان لزاما ً أن يطلوا جميعا ً في نفس الوقت، عم بيومي بائع الجيلاتي وحسنين الحلاق ودرويش بائع الفول أو الفولي وبائع اللبن أبو صاري – في نفسي محمد (قال لي محمد في الإسكندرية "تَصَوّرْ، أي تناقض هذا … اللحم يعرض معلقا ً في الشارع في الهواء والأحذية تعرض خلف الزجاج". هز رأسه وضحك). في نفسى أبو عبيدة وأحمد وسعيد وجرجس و (أ.ل.) وإيمان التي تضع هذه المدونات كل يوم على شبكة الإنترنت وأفكاري في بلدي ("الجهة الجغرافية الأخرى للأخبار"). في نفسى نموذج بقعة قهوة على أوراق مسوداتي ورحلتي بالقطار للإسكندرية الحاضرة بكل تفصيلاتها، ["1 نيل، دائما ً بإمتداد النيل"] وهناك زيارة بيت كافافيس ["وكانت غرفة نومه بحالتها كما هي على نحو غريب"] نزهات التمشية في الحي السكني القديم لصيادي بحري، ("البط والحمام المنتظر سكين الذبح، في صبر ٍ ينتظر مشذّب الأجنحة"]. في نفسى اليونانيون الذين لم يعودوا يعيشون هناك، المكتبة القديمة والمكتبة الجديدة، صور مخططات المدينة/ تصاوير مقلدة وأزمنة . منافض الغبار والرمال لعلماء الآثار وأوقاتهم مساكن ومنازل اليوم [الإسكندر ذو الأربعة والعشرين ربيعا ً، وبعده كليوباترا ومارك أنطونيو وتكليف الخليفة عمر في 642 ميلادية … إنهيار الفنار 1303] – مسودات أزمنة وجدت على ما يبدو سلامها ["يهديء النفس أن كل شيء مستمر في الإنقضاء"]. حتى في العلمين القريبة من هنا.
في نفسي طائر الواق وطائر التفلق والحمير الهزيلة المنهكة ودائما ً وأبدا ً حمام بحري، الأجنحة المشذبة، منتظرا ً السكين وصابرا ً/ "ولكن الأفواه الجائعة".
وعندما أردنا أن ننطلق جاء (أ.ل.) جاريا ً قبالتنا إذ فجأة. كان حائرا ً تماما ً ومضطربا ً ووضع في يدي ورقة وقال لي وهو مقطوع النفس "تخيل .. تخيل أنني قابلت الصياد النيلىّ. كان يجلس طيلة الوقت بعد الظهيرة في الفيشاوي في إنتظارك. أراد لك قصيدة. قصيدته. وعندما إتضح له أنك لن تأتى عهد إلي ّ بها .. هاكها!"
رباعية صياد النيل
1 جناح فراشة. منه
حزن الطيران "وسور
أبُحر لمنتهاه" ســـــ: نولد. 1 إبحار
من الأفواه الجائعة. نحن بأنفسنا الأفواه الجائعة
قرأت أسطر القصيدة وقبل أن أتخذ ردة فعل إزاء النص سحب (أ.ل.) مظروف خطاب آخر من جيب بنطاله وأعطاني المظروف وقال وقد أصبح أكثر هدوءً، لكن دون أن يقل إنفعاله: "هنا قصيدة أخرى، أعطانيها الصياد النيلىّ لك. إلا أنه يرى، مؤكدا ً على ما يقول – حيث كررها عدة مرات – عليك أن تكتب أنت بنفسك هذه القصيدة الثانية أولا ً حتى آخرها قبل أن يحق لك أن تفتح المظروف. فقط عندئذ ٍ … هل تفهم هذا؟
ترجمها للعربية: د. طارق عبد البارى
16 مايو 2004
"أيتها الذكرى، ابق عليهم كما كانوا"
(كونستاينوس كفافيس)
يسير الترام بعده لايزال في شوارع الإسكندرية. ذكرى الأزمنة السالفة. تسمع في "المدينة القديمة" صلصلة قضبانه، وصريره وصفيره في كل مكان وخاصة عند نقاط التفريع ومحاور السكة الثلاثية كإشارة تحية من بين سائر حركة المرور. يخرج من بين الضجيج الوهمىّ صوت يصب نفسه مع كل مطب ومع كل منحنى في همس متلو ٍ وإحتكاك. هذه الأصوات تحولت في أذني على الفور إلى موسيقى معلنة نفسها من البعد 1 رفقية حميمة.
إحتواء آمن تأخذنى فيه ذكرى أخرى توارت منذ أمــد طويل، ذكرى أيام طفولتي في هاوزاخ وتلك الرحلات الخلوية في أيام الآحاد إلى تريبيرج على سبيل المثال وهذا الجهد الثقيل والذي سرعان ما تحول إلى جهد بسبب شيخوخة القطار، الذي كان ينزل بنا إلى عمق الغابة السوداء ثم يصعد ثانية لأعلى ويقفل عائداً بنا. فجأة عبرت خاطرى مرة أخرى أزمنة القاطرات البخارية تلك النائية البعيدة وتلك القوة الفاعلة المدرفلة التي كان يسير بها هذا الحمار الحديدي فى تؤدة وهدوء كانا يدهشانا، كانت القاطرات كأنها لاتريد أن تتحرك ثم تبدأ سرعتها تزداد تدريجيا ً لتتوقف مفرملة ً مرة أخرى بعد ذلك في اللحظة التالية مع تغير الطبيعة، ثم تكبح مطلبها، ثم – كما لو كان العناد ضرورة حتمية – تستكمل زحفها للأمام وتصعد الجبل كادحة ً. صادفني هذا الشعور الدافيء مرة أخرى فيما بعد أثناء دراستي الجامعية، شعور الشيء الذي يتحرك للأمام وقـُرْب ٌ من الأرض يستشعره المرء بجسده – الأجساد والأنفس التي لها أن تسافر معا ً -، خلال الخشخشة الـمُـتَـرَوّية الهادئة للترام في فرايبورج.
بعد أيام القاهرة، التي بالكاد كان استيعابها بالأذن ممكنا ً ، قدمت لي نماذج الترام المتحفية بالإسكندرية منذ اللحظة الأولى ضوضاء الخلفية بشكل أكثر بطئا ً مغزولة في السكون، صارت بالنسبة لي جزءا ً من تحية ٍ طيبة ٍ مرضية بل وهادئة مريحة. وعليه فقد توقعت خلف هذا الإسم الأسطوري للمكان مدينة ً متروية ليست في حاجة لأن يبادر المرء بإكتشاف بطئها.
إلا أنه، وكما يتبين فإن هذا الإستنتاج كـان مخادعا ً. الحمد لله مخادعا ً جميلا ً لذلك جعل وصولي رقيقـاً وديـعـاً.
لأن الإسكندرية تمتد أيضا ً مسافة كيلومترات نحو البحر ونحو اليابسة في نفس الوقت، كما لو كانت على زعنفة ظهرية، من حي لحي، ولولا البحر المتوسط، ذلك الذي يشعر المرء به متخللا ً مسامها، لخشي المرء أيضا ً في هذه العاصمة الكبيرة المملينة، مرورها الذي يلتهم الهواء بنهم ٍ شديد ولإنتابه القلق على كل نفس هواء يستنشقه.
ربما بدا للبعض تعبير "عاصمة كبيرة" مبالغاً فيه. لكنني لست متأكدا ً أي وصف يمكن أن يليق بها. كان بعض المعارف في القاهرة قد حذروني منها قبيل سفري عندما كنت أنتظر رحلة القطار نحو الساحل بقولهم إن الإسكندرية يغلب عليها طابع "الأقاليم" إلى حد ٍ ما إذا ما قورنت بالعاصمة. لكن ما علينا من هذا، فإنني إذا ما قارنتها بالمدن الكبيرة أو الكبرى في ألمانيا فإنني بعد ذلك أظل محتفظا ً بكل تأكيد ٍ بإنطباعي بأن "El Iskandeariya"، كما يطلقون عليها بالمصرية، عاصمة كبيرة.
أ ُستقبلت هناك استقبالا ً حارا ً وود مضيفى ّ تلبية كل رغباتي. بداية. حفل استقبال، وهو بالمناسبة جزء ٌ من الإحتفال بي في كل مكان ٍ أحل به هنا في مصر. ضيافة ٌ تفوق الحد، لفتات وتلويحات مرحبة، تعرف على واجهاتها المختلفة أسلوب التفكير والثقافة وتتبعك في كل مكان ٍ وحيثما تكون كلمة ٌ ودودة، بسمة أو ضحكة لم تفتقد في أي لحظة جدية ً حارة، تبوح من خلالها تناقضات عصرنا.
كنت أعرف ما أريد. فأنا لست شغوفا ً في المقام الأول بما خلفه الرومان ولا بالقلاع والقصور ولا بما شيده مستعمرو الإسكندرية من العرب من بناء. كانت تجذبنى أكثر ما تكون منازل كليوباترا الخاصة تلك البديعة. ولكنها لم تعد موجودة. والفنار الشهير يرقد في مكان ٍ ما على قاع البحر في سبات ٍ عميق. ناهيك عن المكتبة القديمة، مكتبة الإسكندرية ذات الشهرة العالمية، أو الجديدة التي لاتبدو أقل فخامة ولكنها في حاجة إلى وقت ٍ خاص ٍ بها. لم تكفن ِ أيام ٌ معدودة. كلا، كنت أريد أن "أتجول" في هذا الوقت القصير الذي يمكنني أن أقضيه هنا في الإسكندرية، فى جزء ٍ ضئيل ٍ من الإسكندرية. في أحياء المدينة التي يعيش فيها الصيادون. أردت أن أتنزه في الأحياء التي كانت فيما سبق أحياء ً يونانية، كي أبحث عن ذلك البيت الذي قضى فيه كونستانتينوس كفافيس السنوات الخمس والعشرين الأخيرة من حياته. أردت أن أزور منزل شاعر الحداثة اليونانية ذلك الذي أهدانا في روعة وإبداع قصائد حب حزينة رقيقة.
لقيت أمنيتي ما هو أكثر من التحقق. وامتد اليوم الذي تلا قراءتي من أعمالي في معهد جوته في الإسكندرية إمتدادا ً متكاثفا ً كما منيت نفسي به قبل رحلتي.
رافقني محمد، ممثل ٌ شاب، كان قد قرأ في الأمسية السابقة قصائدي باللغة العربية. وكان هذا بالطبع بمثابة الهدية بالنسبة لي. لأن محمدا ً كان يعمل، قبل أن يستطيع أن يعيش من عمله كممثل "حر "، مرشدا ً سياحيا ً ويتكسب دخلا ً إضافيا ً من هذا. كان بالطبع من حسن حظي انتفاعي بالعلم الذي اكتسبه لهذه المهنة لأنه قص ّ على ّ كل تلك الأشياء التي لم أكن بالضرورة لأراها ولكنني، بطبيعتي الشغوفة، كنت أريد معرفتها. لكنها أشياء، عزيزتي القارئة وعزيزى القاريء أرجو أن تتحملوني، يمكنكم أن ترجعوا إليها بمزيد ٍ من التفاصيل في أي دليل ٍ سياحي ولعلكم عندئذ ٍ تكونون أوفر حظا ً بما ستجدونه مما قد تحويه سطوري.
أفضل أن أحكي لكم أن محمدا ً لعب منذ مدة قصيرة على مسرح الإسكندرية دورا ً في إحدى أعمال لوركا "بيت برناردا ألبا" وأنه في الوقت الحالي مشغول ٌ ببروفات مسرحية "فاوست" لجوته. "فاوست" لجوته بالعربية! يا خسارة، لن أكون في القاهرة في وقت إفتتاح المسرحية. كانت هذه ستكون "قشدة" رحلتي: جوته بالعربية ومحمد في دور مفيستو. تصور ٌ مجنون، لاسيما وأنني الآن أعرفه.
صار المساء هدية. حيث أنني لم أتعرف فقط في هذا المساء على إنسان ٍ مجامل ومتنبه ٍ للغاية وسكندري عارف ٌ تماما ً بالإسكندرية ولكن لأنني اكتشفت فيه ما هو أكثر من ذلك من حيث كونه رفيق حوار قص ّ لي عن مشاريعه التمثيلية والمسرحيات التي كتبها وتلك التي يعنزم بعده كتابتها.
ما إن دخلنا حي "بحري" حيث يعيش الصيادون مع أسرهم وتنقلنا ما بين الحواري والأزقة حتى أبت عيناي أن تقر ّا من فرط ما شاهدتا من تجار أسماك وخضر وفاكهة وورش إصلاح سيارات مرتجلة ومحلات حدايد وحبّالين وخزافين وحلاقين وتجار المراتب والحذائين والنجارين وصناع الأثاث وورش صيانة وإصلاح المراكب بالأفنية الخلفية للمنازل والحانات والمقاهي اللانهائية التي لايستطيع المرء أن يتخطاها ببصره بواجهاتها المطلة على الشارع بمن عليها من رجال ٍ يلعبون الدومينو والطاولة. هنا نبهني محمد إلى موقف بيع دجاج وحمام وبط.
بدا الدجاج مسكينا ً حيث كانت الدجاجات تقف محشورة في أقفاصها شديدة الضيق والصغر. وعلى النقيض من هذا جلس البط والحمام في وداعة وسكون فى عششهم الخشبية ذات الصناعة اليدوية. شيء غير قابل للفهم. تعجبت من أن الحمام والبط كان يجلس هكذا بجسارة ولم يطر أو يحلق بحثا ً عن فضاء ٍ رحيب. قال محمد: "أجنحتهم مقصوصة. انظر البط" ثم استطرد "انظر في عيونه. إنني مقتنع تماما ً بأنه يعرف أنه ينتظر السكين في صبر. لقد كتبت مسرحية عن هذا. عن حمام وبط بحري. ربما جلسنا نحن جميعا ً ذات يوم كما يجلس بط وحمام ودجاج بحري".
وقبل أن نذهب إلى بيت كفافيس أراد محمد أن يذهب إلى المسجد. كان يريد أن يصلي.
رافقته وجلست عند أحد الأعمدة أثناء توجهه للوضوء ثم رافقته بعد ذلك بصمتي في صلاته.
بعد هذه الأوبة القصيرة، التي وطأت نفسي على رحب ٍ مني وسعة – المساجد قطب هدوء ٍ ودعة للعيون والقلوب -، ذهبنا إلى ذلك الشارع الذي كان اسمه فيما سبق شارع روي ليبسيوس، على إسم مهندس فرنسى، ويدعى اليوم شارع شرم الشيخ إشارة إلى مدينة شرم الشيخ التي تحمل نفس الإسم.
قضى كفافيس الأعوام الخمسة والعشرين الأخيرة من حياته في مدينة ٍ كانت بحكم عمرها مركزا ً ثقافيا ً وفكريا ً وملتقى للحضارات ولغاتها. "عاصمة الذاكرة" مركز كوزموبوليتانى وعاصمة تجارية مركزية هائلة.
كان بيته يقع في ذلك الوقت بين كنيسة أرثوذكسية يونانية والمستشفى اليوناني وبيوت دعارة المدينة. "على الرغم من أن أغلب أثاث بيت كونستانتينوس كفافيس قد بيع بعد وفاته" كما هو مذكور فى دليل بيته المتحفي اليوم "إلا أن مناخ بيته قد أعيد إنتاجه مرة أخرى بمساعدة الأصدقاء الذين عاصروا الشاعر إبان حياته معتمدين على صور ٍ فوتوغرافية قديمة".
شعرت طوال الوقت بأن الشاعر لايزال موجودا ً. وعندما جلسنا أنا ومحمد في آخر فترة ما بعد الظهيرة على أحد المقاهي يطل على خليج من خلجان ميناء الإسكندرية نتحدث عن الله والعالم ونستمع إلى "عود" سيد درويش الذي كان يدندن في الراديو، مطرب الشعب الذي غنى للشعب وضد الإحتلال البريطاني والذي أغتيل عام 1919 بدا لي كما لو أنه كان يتحتم على ّ أن أدرك وأسمع العالم من حولي وفي أفكاري بنفس الوضوح والبساطة الإيقاعية ولاوسطية الأبيات
التي عرف كونستانتينوس كفافيس كيف يحتويها بمنتهى الرعاية والعناية في حياة قصائده الممتدة الباقية. كما لو كنت واحدا ً من بين ضيوفه الكثيرين في حجرة مكتبه. كما لو أنه قد ّم لي واحدا ً من تلك الكراسي المطعمة بالزخارف والمكتوب على ظهورها بحروف ٍ عربية: "مرحبا ً بك أيها الغريب".
كم هو جميل ٌ أنني لم أعد "غريبا ً" تماما ً في هذا البيت الذي ربما لم يتركه هو أبدا ً في الحقيقة. وقد حظيت كذلك بشرف وضع قصيدتي "قصيدة الإسكندرية" في إحدى دواليب عرض المتحف. لفتة ٌ جميلة ومفاجئة وجعلتني أرتجف.
ترجمها للعربية: د. طارق عبد البارى
17 مايو 2004
كفافيس . الإسكندرية
أيقونات قبطية . فوق السرير
دولابهم و 1 تزمن فى
أمفــورات يونانية
أثر فضىّ صدىء لمــرآة
فى غــرفــة الـمكـتب المقابلة . فى بيضاوية
عـيـون محمد
نظرة . 1 سيارة
مفرغة تحت الشباك / "1 هيكل
عظمى أحمر" / فى شارع ليبسيوس [آنذاك
كلمــة] و "باتينة بالهواء" . طلاء بالورنيش
فى شارع شرم الشيخ
عندما شرح لى
مالهميل وقباقيب
النساء عند الصلاة . تحدث كفافيس
عن بيت الروح وعن
بيت الجسد وعن
بيت اللحم
وَنَمَت فى المرآة
أسقف البيوت المفتوحة / متسعة
لليل وفى انسحاب النهار
أكوام البرتقال المتكدسة فى شكل عمامة . "حجرة
نومه كأنه لم يغادرها" . ارتديت
خف صلاة الشاعر
ورائحة العاشقين الذين لم يتغن بهم أحد
ترجمها للعربية: د. طارق عبد الباري
18 مايو 2004
حطام سفينة، الإسكندرية
في صندوق خشبىّ قديم جارفا ً
رملا ً و . صفّـاه البحر/ "رمل" 1 جدول
موزاييك 1 ذاكرة 1 بعد الظهيرة
من السماعات
1 عزف على الناي ["nai"] 1 موج
متهدهداً للمطرب
"الذي غنى لكل واحد". على حافة الشارع
تمتليء كل يوم
أشجار مائية ["قلل"] 1 إشارة حج و
في كل مكان
عود سيد درويش
مزقوا أوتاره
في 1919
"سلبوه الروح
في يوم مولده" ولم يقدروا
سوى على إغلاق مصارع النوافذ. وليس وجدان
الروح.
ترجمها للعربية: د. طارق عبد الباري
19 مايو 2004
… ولجت في ذات بطن الحياة، في محرك المشاعر والأفكار، في القاهرة (Cairo) التي حدث وأن نمت تقريبا ً في داخلي/ تلقيت 1 قصيدة من فريديريكه ماي روكر وبالبريد الإليكتروني وتقول: "الله والإله الحبيب/ يوجهون مصائرنا/ 1X هذا 1 X ذاك/ سوف يُسمع رجاؤنا".
… ثم عشت في سطور جرجس شكري. [أستشهد: "(…) وضعوا مشاعرنا فى نصل ٍ حادٍ / وأوصانا الحداد الخالق / أن نذبح وبقوة / حتى لا نموت (…)". إنني إذا ً في الطريق في أسطر شعرية وفي التاكسي، دائما ً ساعات وساعات في الطريق، في الحقيقة ساعات لا وقت لها أو ساعات وبلا وقت، فيما لاتنتهي/ وعاء جسد المدينة الذي لايريد أن يستسلم وتمتد الشوارع في داخلي وبجانبي/ مرورا ً بي كقنوات تليفزيونية متوازية: كل شيء في نفس الوقت فيما تشعه/ فيما تصبه هذه المدينة… "لابد أن يكتب المرء هنا"، قلت هذا بالأمس في حوار صحفي مع جريدة الأهرام اليومية "لابد أن يكتب المرء هنا كيف يعبر المرء الشارع فى القاهرة. بألف جملة كألف عين"، مترقبا ً ومتابعا ً بعينيه في كل إتجاه، معتمدا على كامل الجسد، ليس فقط على قدرته أن يتجاوز بنظره مساحة ما، لايمكن تجاوزها بكل المقاييس، يمسكها المرء على أي حال لمدة قصيرة في هذا الإستنسال، في إمتلاء الحياة المستنسل لكل ما "يتحرك بالمدينة". ["1000 كون في كل دقيقة"].
… أجلس في التاكسي (تصادقت في هذه الأثناء مع المناوشات والمماحكات حول السعر قبل كل سفره وأصل قليلا ً يوما ً بعد يوم في البديهي/ في الفصال نحو سعر مقبول وأدفع أيضا ً المبالغ المتواضعة والتى بدا وأن أهل البلد يحتفظون بها لأنفسهم وفخور أنا أيما فخر بأنني أستطيع أن أرد التعبيرات المكشره والإبتسامات الهازئة وأن أمد يدي من النافذة للسائق بخمسة جنيهات بعد نزولي من السيارة وأودعه بكلمة "سلام") وسوف أفكر مليا ً في المساء في الحديث الذي دار بإنجليزية مكسرة، فهمت في البداية كلمة فيفا فقط و "جنوب إفريقيا" ومرارا ً وتكرارا ً كلمة “truth”. (كرر السائق هذه الكلمة عددا ً لانهائيا ً من المرات – “it’s a truth”، سأفكر مليا ً فى هذه الأثناء مرارا ً فى هذا وما عسى قصده أن يكون بالضبط، “It’s a truth, not a political decision”لقد تحدث سائق التاكسي عن شيء ما متعلق "بالحكومة"، وأن الحكومة أرادت أن تجعل الشعب يعتقد بأنهم قادرون على إقامة بطولة العالم لكرة القدم في مصر. “it’s a truth”. قالها وكررها كثيرا ً. “Not a political decision”.
أجلس إذا ً في التاكسي وأسمع كلمة “truth” ومن بين خشخشة الراديو أسمع صوت أم كلثوم، – صورتها البورتريه المثيرة كانت قد لفتت نظري منذ أيام في مقهى ريش – 1 أسطورة "أغنية" (إنني أكتب ببساطة كلمة "أغنية"، أغنية مصرية في ثوب قصيدة غنائية شعبية في نسيج الطقاطيق في إرتعاشات الصوت أو "تكوين العزلة" سأقول هذا و (أ.ل.) قبيل سفري)، أم كلثوم 1 أسطورة من النصف الأول للقرن الماضي [1 صوت رمل أرضي]، يجسد رنينـاً في تمعجــات الصوت، فاتلاً صوته، حابسا ً ، وبحس راقص دافعا ً للأمام/ مستدركاً التكسرات الصوتية ، التي تنساب في قطرات/ [الرقص الداخلي لجلد الروح] يضع فيما يستهلكه/ في إيقاع يستهلك الحياة وك :لمة الحنين [1 وجع حنين] على جسدي/ على جلدي الذي يستشعر لمس الحب ذي الشجن الجميل الذي ألف الوحدة والعزلة ("1 لمسة حبيبة") في ساعات ليل حنين الجسد نفسه ["1 لمسة حبيبة") في ساعات ليل حنين الجسد نفسه ["1 إشتهاء تواق"].
ومرة أخرى أجدني على الطريق في حىّ حياة/ حىّ من أحياء المدينة وعلى مسافة ساعة بالتاكسي من جامعة القاهرة بعدما إنطلقت مغادرا ً من الفندق بالتاكسي الأول في حدود وقت الظهيرة ثم ركبت المترو ("الساعات خطوات خاشعة في هذه المدينة" قال (أ.ل.)) كامل مسافة الطريق عبر شوارع التيارات القوية والوقفة غير الركينة / عبر 1 ذكرى ترابية في طرق الحصى والزلط أيام الطفولة وقد تدفقت مرة أخرى. أصل في الطابق السادس في/ 1 حياة يومية. [1 حصة حياة لايومية في حياة يومية هي كل حياة". هل من ممكن أن يكون (أ.ل.) قد قال هذا؟]. وصلت إذا ً بعد سفرة إستغرقت 4 ساعات في منزل جرجس ذي الإضاءة الخافتة، والذي كان قد دعاني لطعام الغذاء وكانت المحلات حولنا قد أغلقت بسبب الحرارة والتراب. أرهف بصري خلال الشرائح الخشبية لشيش النافذة وأرى السجاجيد مبسوطة على أسوار الشرف كما لو كانت ترتشف الهواء. "1 سكون شمسي صغير/ سكون ترابىّ على حصيرة الظهيرة"
وجرجس الذي يضحك. يضحك كما هو الحال دائما ً عندما يراوده الحنين للوطن ["حنين للوطن والمرء في بلده" قالها أ.ل. ببساطة ذات مرة أثناء 1 صمت]، عندما لايرى حلمه حتى آخره في داخله بوجع الحنين للوطن ويستغرق فى فكره حول منشأه وأصله (1 قبطي بين كل الشعراء الذين عرفتهم هنا، "مصري قديم" – ربما كان هو الصياد النيلىّ. [أنت تتذكر "1 صياد نيلي الذي في الإسكندرية"]. يضحك جرجس. ضحك أحضرني من على محطة المترو [جامعة القاهرة]، معي في الإبداع الغزير/ إبتكار- اليوم ("عليهم أن يجدوا الحياة كل يوم وأن يبتكروا مهنهم كل يوم") البائع الجوّال/ بائع الخضر [فلفل بصل بطاطس سلاطة وألف ناموسة] كان قد رحل وإلى محلات الأطعمة المكعبة المبنية بالطوب ومحلات البقالة [ترتيب البضائع كأنها ورق حائط ممتدة حتى السقف المعلبات وزجاجات المواد الغذائية، "1 تنظيم مكانىّ غريب ومبهج" في ضوضاء مضادة للشارع المنبعج بطنا ً مكانيا ً وكلمة جميلة: وسط غذائىّ].
وضحكه أيضا ً عندما عرضت علىّ بائعة متجولة، منقبة تغطي كامل وجهها عدا عينيها، مناديل ورقية أثناء مرورها ولم أتمكن من رد عبوة المناديل إلا بشق الأنفس وحاولت أن أشرح لها بالأيدي والأرجل وهزات الرأس أنني لاأستخدم المناديل الورقية ولم أتمكن من أن أشرح لها أنني افضل المناديل القماشية.
وضحكه (ضحكا ً مطأطيء الرأس معه)، عندما توقفت لإستراحة قصيرة ألتقط فيها أنفاسي ونظرت للحم نيء معلق في الشارع وأمام محل جزارة – نصف بقرة مسلوخة على الشارع، ودماؤها عليها لازالت حيث ذبحت ولازال الذبح طازجا ً وذيلها متدلياً ُمستـَخـلصاً من جسدها وكما لو كان يريد أن يسقط كل لحظة على الأرض-،
وأدفع جانبا ً بعينيّ / مخلفات وقمامة البلكونات والأفنية الخلفية وفجأة أنا في بيت جرجس وأنا أسمع أم كلثوم هنا أيضا ً ("لقد أحضرت لك بعض الأشرطة، كي تستطيع أن تأخذ هذا الصوت البديع معك إلى ألمانيا") أم كلثوم في ضوء ظلة الكلمات في بيته، غرفة مكتبه هي غرفة كتب وأم كلثوم صوتها روحيّ جسديّ يهطل على بانوراما قصاصات اليوم وجرجس صابا ً نفسه، قصائده وجملة في الأيام السابقة/ أحاديث كلامنا وصمتنا: “Tell me, my friend, where should we go?”
ويسكن في الطابق السادس/ الطابق الأخير للوحدة السكنية المبيضة باللون الأبيض / المبيضة بالتراب ("أقرب لربي وللسماء"، يهمس جرجس] ويهديني 1 صورة للقديس جورج والسيدة العذراء [مصغر مذبح كنيسة] وأنا أرقب قاتل التنين.
وأستريح في واحة جرجس من تيارات الشارع القوية (1 شيء بديع فتان أن تترك نفسك تـُمـتـص وتنساب مع ما ينساب)، أستريح في ظلمة البيت الرطبة من قوافل الأصوات/ قوافل المرور، وترابية مداخل السيارات الطباقية ومن 1 زمن عينىّ امتد ساعات أربع/ زمن عوادم غازية، ودائما ً وأبدا ً أتوبيسات فولكس فاجن بيضاء قديمة، تاكسيات بالنفر تتماحك متلاحقة ("أفرملني" – وقفت على الزجاج الخلفي لسيارة فولكس فاجن بيضاء) ثم إذا بالله يسبقنا ويتقدمنا مرة أخرى، يدخل الشقة [صوت المؤذن] أو "ااـتَّـذكره" وأشرب 1 سقارة [بيرة سقارة الذهبية المخزنة]، أمام عيني علامة الماركة الأهرامات، والأهرامات الداخلية [أهرامات مفتوحة للوقت الآنىّ المصري على الكلمات/ في الكلمات، التي تريد أن تندلع خارجة/ 1 وخز نمل مليء باللغة/ "نمل الكلمات] وعلى جسد لساني من فرط ظمأ الكلمات، الرغبة في التكلم، البوح.
وجرجس في المطبخ يعد الطعام وأنا في إستيرول بأفكاري وفي ستيلا (مقهى ليلي] وأفكر في أنني لابد أن أحكي له عن حلمي، عندما كنت بالأمس ليلا ً – ("1 بيرة أكثر من اللازم" في ستيلا أو في "المكتب" كما يقول جرجس مازحا ً، لأن كل الصحفيين والروائيين والشعراء والمؤلفين الموسيقيين "وكتاب الثقافة" يتوافدون زرافات ليلية إلى هناك) -، عندما كنت بالأمس ليلا ً أرقد مستيقظا ً وبى سكرة من نوع آخر وعندما داخلني النعاس رأيتني أجلس في الفيشاوي أنصت لأحد الروائيين ومستقبلا ً التجار (تجار الساعات، وبائعي الصفافير المزغردة والشحاذين). لابد أن أحكي له عن الخطابات التي إشتريتها و1 خطاب من أ.ل و 1 خطاب من الصياد النيلي، مكتوبا ً بحبر يدوىّ/ حبر روحىّ وموجها ً لي وأنا اشرب الشيشة، 1 قهوة تركية تلو الأخرى وأتذوق الشاي. أنا والخطابات في يدي وبلا حذاء.
ترجمها للعربية: د. طارق عبد الباري
20 مايو 2004
…الحجرة المجاورة، ركن محفوظ في الفيشاوي، هي أرابيسك الذكرى. دولاب الذاكرة، لازال يسمح فيه أحيانا ً بين الآونة والأخرى لنفر قليل مصطفى من الضيوف بالجلوس – وعليه فقد أوضحوا لي بما لايخلو من الفخر – الذين يعتقد المرء أنهم يستشعرون، على الأقل في اللحظات الأولى لحضورهم، نفحة سحرية من الهيبة والسكون الموائم ويمنحون هذا الحضور للرموز الموجودة، حضور يمني المرء به نفسه فى هذا المكان الأدبي- المقدس. مكان نسج فيه نجيب محفوظ أبطاله وشخصياته المتمازجة المتناسجة وأبطاله الظاهرين وغير الظاهرين، الصغار والكبار كما حبك به أصوات قلبه في وجدان رواياته. كي يعطي الحياة التى أماط لثامها والتي أوقعته في شباكها، كنسيج غامض ملغز، تكوينا ً من سعادة خالصة بكل ما هو سردي ، وعروجا ً على ما يستعص على القول في الألوان والوجوه.
المذياع القديم من الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي هو بالنسبة لتلك الأزمنة نسخة مرفهة مزودة بكل الدقائق اللازمة لجهاز يستقبل العالم لتلك الأعمال الفنية المثقّبة المكونة من أسلاك وعلب مزدانة ومزخرفة، التي تنضم للأثاث المتحدث، جهاز طويل المدى في خشب بني غامق مكسواً بقشرة خشبية تحمل واجهته كلمة ZENITH، يبدو نقطة مركزية في هذا المهجع الكلماتى. كان الصندوق العجيب الذي يحكي أو يغني عند وصولهم بالنسبة لهم غالبا ً بمثابة من يرحب بهم، حتى وإن لم يكن ظاهر الفم بدرجات صوته المتنوعة والخيالية التي تمدهم بكل ماهو مفاجيء وغير قابل للتصديق، بكل ماهو جميل وحالم وكذلك أيضا ً بكل ما يدعوهم للتأمل والتفكير وبكل ما هو مرير من الأحداث القريبة والبعيدة، عندما يلتقون في ظل خان الخليلي ليتكلموا عن الله والعالم ويدعون أحدث الكتب صدورا ً وأقدمها لأكواب الشاي بينما يدخلون فيما بين هذا وذاك في مناوشات قصيرة مع التجار، الذين يعرضون القصص المُخترعة والحقيقية للشوارع والأزقة ببديهة حاضرة ومُفاصلين عندما يعرضون بضاعتهم على دخان الشيشة.
غبار الماضي ينبعث من رائحة الأساطير القديمة ومن الأقصوصات والنوادر اللانهائية ومن طعم القهوة التركية الحلو والشاي الساخن ببخاره المتصاعد والجمل المستوقفة وتنفذ من مسام الأثاث والمحتويات الداخلية للفيشاوي كأنها خرائط مطوية صارت غير قابلة للقراءة مصفرة أو مكحتة من مدينة غابت منذ أمد طويل أو أنها لابد من إختراعها بعد. زمن بدا أنه كانت لاتزال به أحلام النجوم وسماء الليل المبهمة موجودة والأمل في الرواة.
الصور المحدوبة على الحائط، تستدعى الماضي وتدعو للتأمل – محفوظ، المكرم عالمياً بين الكتاب العرب، كيف استقبل الفرحة-، جلست هناك، أجول بنظري في الزخارف دقيقة الأوصال والسقف الملىء بأعمال الحفر والكتابة الغائرة بيد حساسة، أدخن الشيشة وأشرب قهوتي وبلا حذاء، حيث استأمنت عليه بعد دقائق قليلة أحد منظفي الأحذية الذي نبه لوجوده بضربات مشخللة على قطعة معدنية معلنا ً بذلك عن نيته. كانت الخدمة ممتازة. يجلس المرء ببساطة هكذا، يخلع حذاءه ويضع كرتونة بدلا ً منه تحت قدميه. تقريباًً كما في البيت ومستمتعا ً بالدفء.
جاء الباعة الطيارون زُرافات زُرافات إلى منضدة أكوابي النحيفة. فصال وإبتسامات مغرضة، عرض وسحب تقوم به الشخصيات المباغتة و الغريبة شديدة الغرابة، عكفوا بإشارات وإيماءات مغرية وبلغة كامل جسمهم ليس فقط على عرض كل أنواع الهدايا علىّ لشرائها وغيرها من اللعب والرفايع والمقصات وأمشاط الشعر ومحافظ النقود والحقائب والبطاريات والساعات من كل البلاد والماركات، وأشياء هامة وأخرى أقل أهمية، وأشياء ضرورية وأخرى هامشية. بل لم يكن هذا فحسب، لقد توقعت بعد الإحتكاكات الأولى مع هذه الطريقة المسلية والطريفة فى ممارسةالأعمال التجارية الصغيرة أنهم سيضعون حركاتهم التعبيرية وإيماءاتهم بجانبى على قرصة المنضدة الصغيرة كما لو كانت بازارا ً صغيرا ً للحكايات لأتذوق منها ما أشاء.
بدأ ت أتسلى بأن أدخل معهم في مساومات بكلمات ضالة وضائعة، بأن أضحك معهم، أن أبتاع منهم بيعة ممتازة أو أن أردهم عني.
وعندما سئمت للحظة قصيرة من المفاصلة وظننت أنه آن للهدوء أن يحل إذا برجل مسن يقف أمامي. قصدني ووقف أمام عيني على نحو غريب. لم يبد أية محاولات في أن يسألني عما إذا كانت الذخائر الصغيرة لمكتبته تروق لي أم لا ولكنه ببساطة دس في يدي خطابين وأفهمني من خلال موقفه الحازم أنها بالحتم لي وأنني لاينبغي علي أن أفكر في المبلغ، قالها بإنجليزية طلقة، وأن الخطابات مدفوعة الأجر منذ زمن طويل وأن واجبه إنما يكمن فقط في إيصالها لي.
وبشيء من التوجس، ولكن دون تردد كبير، أخذت الخطابات المغلقة، والتي لم يكن عليها لاعنوان ولاإسم مرسل، وأعطيت العجوز بعض البقشيش والذي شكرني عليه بإبتسامة راضية ثم ما لبث أن سلم علىّ وإنصرف.
مكثت غير فاهم لما حدث وركنت إلى شيشتي، إستعدت طعم التفاح للحظة في فمي الذي صار في هذه الأيام أحب خلطات الدخان لنفسي والذي إستعادني تذوقه مرة أخرى – والحمد لله – للحقيقة. تحسست بأصابعي الورق المخملي للمظاريف ولم أكن متأكدا ً عما إذا كان ينبغي علي أن أفتح هذه الخطابات. إلا أن شغف يدي كان أكبر من صوت توجس مشاعري الخافت، وسعيت بمنتهى الحذر الممكن لأقترب من المكتوب بحافة طرف ملعقة الشاي. ثم غصت في الكلمات والحروف الواضحة والمكتوبة بعناية بالغة بالحبر ثم غرقت في جمل الخطاب التي تحدثت إلى ّ، الخطاب الذي جعلني أنسى كل شيء حولي.
عزيزي خوزيه،
السلام عليكم، أعذرني إذا أوصلت لك خطابا ً بهذه الطريقة غير المعتادة وإسمح لي بأن ألقبك في هذه الأسطر "بحبيبي"، وهو إسم دلع يمنح صداقتنا ذلك القرب الذي تستحقه.
أعلم أنك تبحث منذ أيام عن قصتي، "صياد نيلي، الذي في الإسكندرية." تعجبني الجملة. بداية جميلة لقصة وبلا فعل تماما ً. كما لو كان ينبغي على المرء أن يستخدم كل أفعال العالم لكي يحكيها. نعم، بداية جيدة بل إنني في الأسابيع السابقة إعتقدت أحيانا ً أن هذه الجملة لايمكن فقط أن تكون بداية جيدة بل أنها أكثر من هذا يمكن أن تحمل بداخلها نهاية جيدة لأنها نهاية مثيرة: "صياد نيلي، الذي في الإسكندرية".
ياحبيبي، إنني أتعجب من إصرارك وعنادك على أن تجد قصتي وسعيد بأنك حريص على ألا تفقد أثرها. أريد أن أساعدك في أن تقترب من أسرارها، طالما كان هذا في مقدوري، ولكن دعني أقص عليك حادثتين قد يهمانك بشكل خاص قبل أن أخبرك عني وعن الإسكندرية. ثم سوف أقول لك بعد ذلك كل شيء إستطعت أن أعرفه حتى اليوم.
منذ زمن ليس بالبعيد تماما ً يا حبيبي كنت أقف في الإسكندرية على رصيف القطار أشاهد المبنى القديم الجميل الذي يجعل المرء يتوق إليه بمعماره المفتوح وإرتفاعه الفخيم والتي هي في الأساس ليست سوى أبعاد البعد نفسه، إتساع البعد – إذا كنت تفهم ما أريد أن أقوله. أنت تعلم بالطبع ذلك البعد الذي نبحث عنه نحن البشر مرارا ً وتكراراً في محطات القطار ونعتقد، كما كنا نفعل ذلك دائما ً، أننا نجده في أبنية محطات القطار، ولذلك نضعه في تصميماتها. قصر من رحلات الحياة بمقدوره أن يحكي لك الكثير، الكثير اللانهائي، قصصا ً متشابهة على نحو متباين، إذا كانت لديك الجسارة لبضع دقائق فقط أن تتجرد من ساعتك وتقطع رحلتك وتستريح. ضعها مطمئنا ً في حيز الأمتعة أو في المقعد الذي حجزته، في المرة القادمة حينما تكون على سفر، بحيث تستطيع أن تغادر القطار مرة أخرى قبل رحيله بمدة قصيرة حتى تستطيع أن تجعل المسافات منك إليك تؤثر عليك وأن تلاحظ كل البشر الذين هم أيضا ً على سفر بكل أمانيهم وحنينهم وأشواقهم بكل معاناتهم وسعادتهم ويقومون بالرحلات المحددة لهم دون غيرهم.
وقفت، كما قلت، على رصيف المحطة، حبيبي، وظللت أرقب حركات المجيء والذهاب الذى كان فى كل مكان من حولى والذي صب في إنقضاء الخطوات، ورأيت تلك السيدة العجوز التي بدا وأنها كانت آتية قبالتي. مرتدية ملابساً سوداء تماما ً، كانت ترتدي منديل رأس ربطته برفق هاديء حول شعرها الكثيف. كان أسودا ً شفافا ً وبه خيوط مطرزة لامعة، كان يضوي بلون رمادي في شمس النهار وفضيا ً ومتربا ً. كان وجهها يضم في ملامحه حياة، حبيبي، لاتستطيع قصيدة أن تحويها ، كان ينضح بالجهد الجهيد بظلال الهم في إبتسامتها. ألجمنى العناء الذي كانت ترفع وتخفض به جسدها ولم أستطع أن أحيد بنظري عنها. جرت جسدها في تثاقل لاهثة بطول حافة رصيف القطار وإقتربت مني أكثر فأكثر متكئة أكثر فأكثر على نوافذ القطار. كما لو كانت النوافذ عصاها التي تتكيء عليها في المسير.
تصورت في البداية أن حركتها هذه القريبة للغاية من القطار إنما هى بسبب سنها المتقدم وأنها حركة شيخوخية جدا ً وأن هذا يسبب لها عناءا ً كبيراً قاطعة المسافة نحو عربة القطار التى ربما تكون قد حجزت فيها مقعدها. رأيت أقدامها وبطن ساقها الممتلئة المتورمة المترهلة ذات اللون البنفسجي الداكن وحذائها الخفيف المفتول من فرط السير والذى لم يعد قادرة على تحمل ثقل السن وكتلة الجسد على بطن القدم . سمعت صوت إرتطام أنفاسها القصير الحاد، حتى اتضح لي من إيقاع حركاتها المنتظم – صعود ونزول متوال ٍ للجسم الواهن في حركته المتجرجرة المتثاقلة الزاحفة للأمام-، أنها لاتنتمي على الإطلاق للركاب ولكنها في تثاقل خطواتها هذا المتخاذل والمتكـفيء للوراء كانت تنظف شبابيك القطار. اتضح لي فجأة أنها لم تكن تتسند حتى تصل إلى باب عربة المقطورة حيث مقعدها ولكنها كانت في صعودها وهبوطها هذا المتكرر والمستهلك لجسمها على نحو متلف له إنما كانت تجمل للركاب إمكانية الرؤية وتتكسب بهذا العمل الشاق بضع قروش لأنني رأيت الآن أيضا ً أنها كانت تمد يدها اليسرى مرارا ً وتكرارا ً حيث كان المسافرون الذين كانوا يقفون مثلي على رصيف القطار يدسون لها في يدها قروشا ً زهيدة وكانت تشكرهم على ذلك، دون أن تتوقف عن عملها هذا، بابتسامة فقط حتى تعود مرة أخرى لمسيرتها المتقدمة للأمام وتمر بيدها اليمنى على الشباك التالي بقماشة التنظيف ماسحة إياه ومنزلقة بيدها نحو الأسفل. ..
إتضح لي يا حبيبي في ذلك الصباح بالإسكندرية أن قصتي كانت تجرجر نفسها متثاقلة بطول أحد أرصفة المحطة وتتكيء على الشبابيك التي لاترى ولكنها تكفل الرؤية للآخرين. نعم، ياحبيبي، فالرحلات تكرر نفسها.
أعذرني ياحبيبي ولكن كما ترى فإن الخط يزداد نحافة وشحوبا ً. أعتقد بأن حبري سينفذ بعد قليل. دعني لذلك أتوقف عن كتابة الخطاب عند هذه النقطة وسأكتب لك غدا ً.
أعانقك يا حبيبي
أخوك
صياد النيل
عندما حكيت لجرجس الذي كان قد أعد المائدة في هذه الأثناء عن هذا الخطاب لم يزد عن أن أومأ برأسه وقال: “yes, my friend, where should we go? تعال وكل فالملوخية معدة وطازجة تماما ً".
ترجمها للعربية: د. طارق عبد الباري
21 مايو 2004
قال أحد الأشخاص لابد للأدب من أن يغرس شوكة . أرى المذكرات تغرس هذه الشوكة في الوجدان ولست سوى ضيف على ما أعالجه وأكتبه [ضيف ذاتىّ] والحقيقة الواقعة حاضرة وهى أن كل شيء يحدث عدة مرات وتبقىالحقيقة الواقعة أنه لايفهم سوى من يفهم بالفعل وتبقى الحقيقة الواقعة أنني أنا أيضا ً أنتمي لكل ما هو متعدد [تعددية الصورة وتعددية الكلمة] وتبقى الحقيقة الواقعة أن كل شيء تيه يومي من الكلمات، أوديسّا من الجمل. في توازيات الزمن، في آنية/ "زمنية الحياة والصــ : ـيرورة وأبدا ً لاتنتهي طالما ظلت كينونة الكلمة قائمة.
أستكتبني، في الثانية والأربعين وأقابلني في الصور. رجل، في الكنيسة، التي أهديت للقديس جورج. صليب مربع/ وجد صوفىّ وسلاسل القديس جورج [جرجس]. يقال أنها السلاسل التي اقتاده بها المجرمون إلى الأسر. سلاسل صقلها فرط الذنب والإحتكاكات والصلوات. كما لو كانت مصنوعة لتوها أو أنها تبرق كل يوم كميلاد لـ "يالا ذنبى" [سلاسل سيسيفوس].
شاهدت منذ بضعة أيام ذلك الرجل متوسط العمر الذي كان معلقا ً في السلاسل في ُجب صلوات العقيدة القديمة [القبطية] ضاربا ً المعدن بكلتا يديه وجسده ورأسه ، تفيض عيناه بالدمع ومصليا ً، مصليا ً وضاربا ً نفسه بالسوط، ثم شاهدت نصف البقرة تلك تتأرجح بالشارع و1000 ذبابة عليها فى سطوة عازمة لاتلوى على شىء.
/ لكن اليد المرتعشه/ لكن المسبحة المرتعشه//
ويمكن أن تكون النهاية المفتوحة لقصيدة. (أ.ل.) الذي يعكف بين الحين والحين على أن يكلمني بالألغاز. أو الخطاب الثاني للصياد النيلي، مكتوبا ً / منطوقا ً بالحبر، بالحبر الذي لاأستطيع أن أقرأه بعيني، الخطاب الذي لم يعد من الممكن العثور عليه والذي لا يحق لي أن أقرأه بدوري إلا عنما أكمل القصيدة وأتساءل عما إذا كان من الممكن أن تكتمل في أي وقت كان لنهايتها. أضع نقطة بعد هذه الجملة ولاأضع علامة إستفهام.
وأترك علامات الإستفهام للقضبان وللعيون الفضولية الخائفة لفرق الإنزال على حافة صلاة الجمعة [سَـــريــة] الواقفة صفاً إنتباه "1 [سرية هروات]" وأضع مجددا ً علامة إستفهام خلف القضبان: من يحمي من؟
وأعلم أنني أبدا ً لن أصل بالسرد الخالص، فما أنا سوى عين فى جانب السفينة وتحيطني من حولي مياه معكرة، وآكل من طبق الصياد النيلي [طبق من الألمونيوم] وأنه مسموح لي أن أكون ضيفا ً لبضعة أيام وأن أنسى المسافة بين ما أعايشه وبيني وتختلط الصور بلا إنقطاع في جذاذات الحديث، أكثر منها في الإيقاع، في توازيات ،النَفَسْ، "لاآنية تعددية زمنية". بالتأكيد لايمكن فهم عملية نقل البيض أمام الفندق، عربة نقل ممتلئة بكرتونات البيض لضيوف الإفطار وكلهم ، ومثلي مثل الجميع ، قابل للتبادل كالأعلام التي أمام الفندق، بحسب الضيف، بحسب المؤتمر، بحسب ميل العين "1 نيل مريض" ولغتهم مختلفة تماما ً، هؤلاء المُجدون. "1 نيل مريض" وربما ينقذه، ربما ينقذنا المنساب.
/ ولكن الأسماك التي بلا حيلة / ولكن الرمل، الذي سوف يحط على المدن//
ويمكن أن يكون كذلك النهاية المفتوحة لإحدى القصائد ويغمغم، حتى ولو كانت الغمغمة غير مسموح بها.
“After all to make a beautiful omelette you have to break an egg”
أقرأ كلمة الـتّـذكِـرَة الإسبانية كل صباح على الإفطار وأفكر في أن سانكو بانسا ربما استطاع أن يعاونني في أن أجد القصة .
[1 صياد نيلي، الذي في الإسكندرية].و “I have to go to sleep my dream”. في الليل متأخرا ً سمعت في "المكتب" في جلسة الرجال الأغاني التي تعتمل في النفوس وتغني [كانتي جوندو]، تشكلت جسدا ً [تشكلت روحاً] مع كل صوت، مع كل زجاجة بيرة على نحو أعمق في الغناء. قل "1 تشكل روحىُّ للأغاني".
مواضع بطاقات قلبية في صيغة الجمع إذا ً ولطخ شمسية بالكلمات
وأتخيل أن القصيدة التي ينبغي على كتابتها للنهاية للصياد النيلي أنها مكتوبة بالفعل وأنني تلك القصيدة فيما تحلم به الفتاة، قبل مرور الفراشة طائرة وفي التائب/ تائب سان جورج على الحائط ["1 تائب على حائط المبكى / متلوياً فى السلسلة/ ملتفاً بالسلاسل مكفرا ً عن ذنبه/ وجناح الحائط في الصلاة]، حتى أنني هذه القصيدة خلف القضبان وفرق الإنزال، حتى أنـّنـِيـها في الخبز [خبز الأرض]، حتى أنـّنـِيـها على النيل، لدى النسوة اللائي يغسلن وفي الممر ذي الألف عين، في مشروبية تراب الهواء، في ترنح الرأس عند عبور نهر الطريق، في طبق الصياد النيلي/ في طبق الإسكندرية [1 تأملية في الطبق/ 1 تأملية في كل طبق]، حتى أنني القصيدة في الضحك المرح لتاجر دُمى الراقصات الشرقيات وفي خوص النخيل المغلف تغليفاً شتوياً ، في السائل السَـلـوىّ للنيل:
1 قصيدة على ظهر حمار وأفكر وأغير تفكيري فى مساومة مستمرة و فصال. "1 عراك ضوضائى 1 مرساة ضوء ودفع محرك للحياة دائما ً وأبداً".
ترجمها للعربية: د. طارق عبد الباري
22 مايو 2004
القاهرة قطة تتجول في القاهرة عبر الشوارع، تسلم قميص جدها لأحد محلات الكي وتدخن سيجارة على ضفاف النيل وتحمل على كتفها سجادة صلاة. القاهرة قطة تصطك أسنانها ببعضها تحت أعمدة الكباري عندما تكتشف طائرا ً لاتستطيع الوصول إليه لأنها رصت أحذيتها الشتوية ذات الرقاب الطويلة في معروضات فتارين العرض وقلما تنفخ بأنف مجعد ولاتترك خبزها البلدي للناموس ولاتهدل عندما يمر غريب من أمامها ويجتر بعض الجمل المكسرة بلهجة مصرية. القاهرة قطة تقفز في القاهرة طوال الليل وبشعيرات ذقنها تجعل النور يضحك وتمط لمبات النيون المستطيلة في عضلاتها، تعوم أحيانا ً في النيل وتغير وجهة نظرها وتلعب مع الضفاف لعبة الدوارة. تدهن في جسارة ماجنة في ساعات المساء المتأخرة حواجب النهر المقدس ببعض الفازلين قبل أن تتجول فى الظلام.
القاهرة قطة تعيش في القاهرة على عربة يد تدفعها دراجة وتنشد أدعية من الكانتيلوب في مكبر الصوت ولاتشرب كوبا ً من البيرة إلا عندما تتيمم الأسماك شطر الشاطيء لسحب نفسين من الشيشة للراحة، لأنه لم يعد للسباحين مزاج أن يتأملوا ويفكروا في زعانفهم ولا أن يبيعوا قشورهم اللامعة في خان الخليلي. القاهرة قطة تحكي لك قصصا ً دون أن تبوح بالسر لما لاتجعل أحدا ً يستأنسها.
عندما يرتفع سعر الخبز تتضايق وتموء. بل ويمكن أيضا ً أن تصرخ إذا دعت الضرورة. بكل طبقات الصوت. أحيانا ً يكون إسمُها فيريس، من صعيد مصر، تغني في دغش الإصباح بأسلوب حزين وتنظف التراب بالذكريات من على لسانها. تدعى أحيانا ً أيضا ً إيرينا أو محمد. وقبل الظهيرة تتردد على أحد المقاهي وتوجه أذنيها للأمام وتدفع بها بمقدار ضئيل نحو الخارج. وتشير بشعرات شواربها نحو مجال جاهز على الحديث وترمش بعينيها في الشمس، التي تنعكس في كوب الماء. ثم تمشط بفرشاة مخلبها الأمامي أخفى أفكارها وتدفعها للصمت وتثرثر عن الله والعالم أو تنعس بينما تدمدم دمدمة مكتومة وتبدو أنها تصيد كلمات غير مرئية.
لكنها أحيانا ً تتذكر أيضا ً أن عليها أن تزور الإلهة باستيت مرة أخرى لأنها تحب أن تسمع قصصها عن الفينيقيين، الذين كانوا آنذاك أول "من هرب القطط". ثم تحكى بغتة ً للضيوف الآخرين بعيون براقة مضيئة أنها حظيت في عهد توت عنخ آمون ورمسيس بتكريم كبير وأنها كان يحق لها أن تلقب نفسها بين كل شخصيات الآلهة بأكرم إلهة. سعدت للغاية بأصلها الفرعوني هذا حتى أنها كانت تلاطف عن رضا فرائها بشعرات شواربها المستعرضة وتحرك ذيلها بخفة ولطف ويلوح ُ عمرها الهرمي مرارا ً وتكرارا ً في بؤبؤ عينيها ليسحب مستمتعا ً نفسا ً آخر من الشيشة أو يطلب كوبا ً من الشاي يهديء قليلا ً صوتها المجهد من فرط القص والحكى.
القاهرة قطة تبيع في القاهرة حتى للوقت نفسه ساعات وتهدي في أحلامها معطفا ً شتويا ً للجليد ولاتحمل أبدا ً معها مفاتيح البيت لأن الشيش مغلق في أغلب الأحيان وأن هناك دوما ً ثمة شخص في البيت يعيرها كتابا ً حينما تستشعر في نفسها الرغبة الملحة للقراءة، تستطيع أن تشغل نفسها بالكتب لساعات طويلة لأنها تعلمت أبجدية الطرق الطويلة غير المباشرة وأعمدة الخراسانة ولأنها لاتريد أن تفرق بين أوراق المخالفات والكتابة الموجودة على الأكياس البلاستيكية. وتقرأ أحيانا ً القرآن وأحيانا ً تقرأ الإنجيل.
القاهرة قطة كائنة أيضا ً في الأفلام القديمة وتبجل هوليود وتعرف أنتوني كوين وكلوديا كاردينالي وجون واين إلا أنها حينما تجلس سهوا ً في الطائرة الخاطئة ولاتطابق تعليمات طاقم الطائرة تصوراتها أو حتى عندما يزعم الطيار أنه وزير الثقافة فإنها تنتصب بأرجل ٍ ممتشقة لأعلى وتدير أذنيها للوراء وتفرق ما بين شعرات ذقنها كأندلسية ٍ أجهدها الحر وتصغر أثناء ذلك فى لمح البصر بؤبؤ عينيها ليصيرَ هوائي راديو تقليدي ويصير طائرة هليكوبتر لايمكن التكهن بحجمها وتتدحرج بسرعة البرق حول مخالبها. هي لاتستطيع الملاكمة إلا أنها بالطبع تستطيع أن تصوب على الزاوية الصحيحة لدى قطة ٍ أخرى بينما تحملقُ كلُ الأعلام ِ
القاهرة قطة في القاهرة تعشق ُ المطبخ السوري عشقا ً وتؤله صمويل بيكيت وتضع "كراسي" يونيسكو في السماء. و بالطبع هى تعتقد كذلك أن تي. إس. إليوت هو أهم شاعر في القرن العشرين. أحيانا ً تريد أن تهاجر إلا أنها في أغلب الأحيان تمكث في البيت ومن أقرب كشك تشتري الجريدة اليومية. هي تعلم أن صناديق أجهزة التكييف المثبتة على الوحدات السكنية يمكن مقارنتها بثقوب الحلى المستطيلة النافذة فى الأجساد، ليست دائما ً جميلة ولكنها أيضا ً ليست بلا سبب وهي لأسباب صحية تفضل طبعاً استخدام المراوح التي تيسر عليها الدخول في النوم بحركاتها الدائرية لأنه لم يعد من المحتم إحصاء الحملان. وهي تميل للحمير ، ووسيلة بحث google.com هي أحب كريات الصوف لديها.
القاهرة قطة تنسحب أحيانا ً داخل القاهرة وتسمح للآخرين بأن يمسكونها ويملسون عليها فقط عندما تريد هى هذا وفجأة تضغط دافعة بذقنها لتلحق بالقطار نحو الإسكندرية، هذا إذا وفقت فيما سبق من أيام أن تجمع قدرا ً كافيا ً من القمامة وتضبط أوتار عود سيد درويش وهي تريد فيما بعد أن تكشف عن معنى كلمة Smog في أحد قواميس الألفاظ الأعجمية وتحشو بالرمل مكان أسنانها الناقصة وتتمسح بكفيها حول أرجل أزواج العشاق الحالمين على جسر الحب وهي دائما ً تقول: "إن تخيل الملامسة هو دوما ً أجمل أنواع الملامسة".
القاهرة قطة في القاهرة لايحق للمرء أن يتأكد أبدا ً كيف يكتب إسمها إلا أنها تعرف أنها لاتتصل بقرابة لخوص النخيل ولكنها تثنى غرنوقيات الزهر عن النيل وتهوى التنقل بالتاكسيات والتي لم تعد تستطيع أن ترفع نوافذها ويقال إنها إبان ذلك ابتكرت موسيقى القطط وأنها تجمع كلاكسات السيارات، إلا أنها تحفظ بعناية بالغة أسر ّ نغماتها تحت منديل رأس جدتها وتحب أن تقبل أطفالها القططية الصغيرة في إبتسامة ٍ وتستودع خلسة ً قصائدها لغة ً غير مفهومة بعد، قصائدها تلك التي لم تبرقع وجهها يوما ً بزي ّ ونضجت وتلاشت كالياسمين.
هي تعرف أحيانا ً أنها في القاهرة كما القطة فتجلس على استحياء على جناح فراشة: أصفر أكرىّ وتهدهد نفسها كما لو كانت تجلس على كرسي هزاز بل أنها أيضا ً تمسك الموت فينبئها بأنه لايؤدي سوى واجبه.
ولكن ربما لايصح شيء ٌ من هذا كله ولاتكون القاهرة قطة على الإطلاق، ربما أيضا ً لاتوجد قطط في القاهرة لأن القاهرة قطة في الحقيقة ليست بقطة، إنها أكثر منها مجرد قطة في القاهرة.
بل أنني أعتقد أنها كانت عندي أحيانا ً ، أم أنني أنا الذي كان عندها؟
ترجمها للعربية: د. طارق عبد الباري
23 مايو 2004
بتذاكر سفر مصرية
من القاهرة إلى الإسكندرية ذهاباً
وإياباً . ألتقط نفساً
على الماء . 1 رسم حجرىّ [ممسكاً باليد قرميداً، متسخة هى الأيدى] و أخضر مولوداً /
يغسلن الحشيش من الحقول
النساء على الشاطىء / مشاهد طبيعية
لنساءٍ أمام النهر / نساءٍ أمام الحقل "و فى الثوب خبز
بلدى أول الزمان والميقات
فى الصباح الأفواه الجائعة . فى الثوب
البذور الرجال التبن الواق : 1 صيف
متوطن / 1 نيل
يغذى الأسقف المؤقتة . فى رأسى
صارت أعمال قضبان السكك الحديدية المستمرة
مألوفه البواعث
الأيام الوترية المفتولة و "حمار
رقيق " / هزيل 1 نظرة
("ولكن الحمير الهزيلة") . غالباً
الزوج منها والبقرات الباكيات
"1 بنى بلون اللبد النباتى للأبقار وأخضر طينى للنهر"
فى ظل الخبز العيون التى تنعم بالإطمئنان
ترجمها للعربية: د. طارق عبد البارى
415
6
1 Guest(s)
