كيف أعتاد الغياب؟ .

في المساء حين رحلت ..
تجهَّم وجه السماء..
انطفأت النجوم، وغدا وجه القمر الرُّخامي، مخدوش السِّحر..!
كل الأشياء ارتدت معطف الخروج وهربت معك..
نُمتُ وأنا أهجسُ بهذا الصباح العابِس، وبشمس ظهيرته المُحايدة..
حتى الفرح، لملم ثيابه وجمع من وجهي بقاياه، وغادر مُنكسِراً معك..
هدَّدتني أركان وِحدتي ، بوِحشة الفراغ..
بصمت الفصول البيضاء من كُتُب الشِّعر والرِّوايات الطويلة..
ارتَعشَ غُصنُ الياسمين في الحديقة حين مرَّت نسمةٌ من دُخانِ سجائرك
التي ما زالت تحترق.. فارتعدَتُّ.. وشكا المساء حُزنه هو الآخر..
وجاءَ باردا، له طعم الأمسيات الوحيدة..
وعاجزاً مثلي، يتهجَّأُ الحروفَ القديمة، وينتَحِب..
شهقت الأماني بحبِّها ووحدتها..
وخشيت أن تأتي الأيامُ بلا ضوء.. فتحترق النباتات في أركان غُرفتي وتجِف..
وحين استيقظتُ ذات صباح.. كان ضوء الشِّمس ساطِعا في وجه نافذتي..
أدرت صوت المذياع، فهمسَ بعشقٍ ساخن ..
 أشعَل جمره مُوقِدا في الروحِ عطشي إليك..
انفردتُّ لوحدتي..
كان الضَّجيج صاخِباً يحمِلُ صوت نبضي، واحدا
من تلك الخيوط التي غزلت جنونا فارها في جوقَتِها..
أخذ جسدي يرقُص مُرتجفا بشغف الطفولة …
ونزق الفراشات الحائرة دون ارتباك..
وغفت المدينة.. عُدتُّ لِذاتي، كان القمرُ مستديرا بشراسة الاكتمال..
وارتدت الحياةُ لِحاف الوَسَن.. حينَ هدأ الصَّخَب، تذكَّرتُ أنَّك كُنت ..
كُنت في القلبِ طعما لفرحٍ قديم.. كُنتَ ذاكرةً وحيدة..
فصلا من فصول رواية لم تكتمِل… وحين انصفق الباب …
شممتُ رائِحتَكَ في غُرفتي.. في أركان البيت.. وبين طيَّاتِ ثِيابي..
شممتُها في أوراقي، في المحبرة.. وصرخَت ذاكِرتي..
ليس عدلا هذا.. كيف أعتادُ الغياب..؟


                                                    ن ب ر ا س
                                                      الجمعة
                                                    22/7/2005

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *