أنشودة المطر.

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر
أو شرفتانِ راحَ ينأى عنهُما القمر
عيناكِ حين تبسمانِ تُورقُ الكروم
و ترقصُ الأضواءُ … كالأقمارِ في نهر
يرجُّهُ المجذافُ وَهْناً ساعةَ السحر
كأنّما تنبُضُ في غوريهما النجوم
و تغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيف
كالبحرِ سرَّحَ اليدينِ فوقَهُ المساء
دفءُ الشتاءِ فيه وارتعاشةُ الخريف
والموتُ والميلادُ والظلامُ والضياء
فتستفيقُ ملء روحي ، رعشةُ البكاء
و نشوةٌ وحشيةٌ تعانق السماء
كنشوةِ الطفلِ إذا خاف من القمر
كأنَّ أقواسَ السحابِ تشربُ الغيوم
و قطرةً فقطرةً تذوبُ في المطر…
و كركرَ الأطفالُ في عرائش الكروم
و دغدغت صمتَ العصافيرِ على الشجر
أنشودةُ المطر
مطر
مطر
مطر
*
تثاءبَ المساءُ و الغيومُ ما تزال
تسحّ ما تسحّ من دموعها الثقال :
كأنّ طفلاً باتَ يهذي قبلَ أنْ ينام
بأنّ أمّه (التي أفاقَ منذ عام
فلم يجدْها ، ثم حين لجَّ في السؤال
قالوا له: “بعد غدٍ تعود)
لا بدّ أنْ تعود
و إنْ تهامسَ الرفاقُ أنّها هناك
في جانبِ التلِ تنامُ نومةَ اللحود
تسفُّ من ترابها و تشربُ المطر
كأنّ صياداً حزيناً يجمعُ الشباك
و يلعنُ المياهَ والقدر
و ينثرُ الغناء حيث يأفلُ القمر
مطر … مطر … المطر
*
أتعلمين أيَّ حزنٍ يبعثُ المطر ؟
و كيف تنشجُ المزاريبُ إذا انهمر ؟
و كيف يشعرُ الوحيدُ فيه بالضياع ؟
بلا انتهاء
( كالدمِ المُراق ، كالجياع كالحبّ كالأطفالِ كالموتى)
هو المطر
و مقلتاك بي تطيفان مع المطر
و عبرَ أمواجِ الخليجِ تمسحُ البروق
سواحلَ العراقِ
بالنجومِ والمحار،
كأنها تهمُّ بالشروق
فيسحبُ الليلُ عليها من دمٍ دثار
*
أصيحُ بالخليج : “يا خليج
يا واهبَ اللؤلؤ والمحارِ و الردى”
فيرجع الصدى كأنّهُ النشيج:
“يا خليج : يا واهب المحار و الردى”
*
أكادُ أسمعُ العراقَ يذخرُ الرعود
و يخزنُ البروقَ في السهولِ والجبال
حتى إذا ما فضّ عنها ختمَها الرجال
لم تترك الرياحُ من ثمود
في الوادِ من أثر .
أكادُ أسمعُ النخيلَ يشربُ المطر
وأسمعُ القرى تئنّ ، و المهاجرين
يصارعون بالمجاذيفِ و بالقلوع
عواصفَ الخليجِ والرعود ، منشدين
مطر … مطر … مطر
و في العراقِ جوعٌ
و ينثرُ الغلال فيه موسم الحصاد
لتشبعَ الغربانُ و الجراد
و تطحن الشوان و الحجر
رحىً تدورُ في الحقولِ … حولها بشر
مطر … مطر … مطر
و كم ذرفنا ليلةَ الرحيل من دموع
ثم اعتللنا (خوفَ أن نُلامَ ) بالمطر
مطر … مطر … مطر
و منذ أن كنّا صغاراً، كانت السماء
تغيمُ في الشتاء
و يهطلُ المطر
وكلّ عامٍ (حين يعشبُ الثرى) نجوع
ما مرَّ عامٌ و العراقُ ليسَ فيه جوع
مطر … مطر … مطر
*
في كلّ قطرةٍ من المطر
حمراءُ أو صفراءُ من أجنّة الزهر
و كلّ دمعةٍ من الجياعِ والعراة
و كلّ قطرةٍ تُراقُ من دمِ العبيد
فهي ابتسامٌ في انتظارِ مبسمٍ جديد
أو حلمةٌ تورّدتْ على فمِ الوليد
في عالمِ الغدِ الفتيّ واهبِ الحياة
مطر … مطر …مطر
سيعشبُ العراقُ بالمطر
*
أصيحُ بالخليج: “يا خليج …
يا واهبَ اللؤلؤ والمحار والردى”
فيرجع الصدى كأنه النشيج:
“يا خليج : يا واهب المحار والردى”
*
و ينثرُ الخليجُ من هباته الكثار
على الرمال ، رغوةَ الأجاج ، و المحار
و ما تبقى من عظام بائس غريق
من المهاجرين ظل يشرب الردى
من لجة الخليج والقرار
و في العراق ألف أفعى تشرب الرحيق
من زهرة يرُبّها الفرات بالندى
*
و أسمعُ الصدى
يرنّ في الخليج :
مطر … مطر … مطر .
*
في كل قطرةٍ من المطر
حمراءُ أو صفراءُ من أجنةِ الزهر
و كلّ دمعةٍ من الجياعِ و العراة
و كل قطرةٍ تُراق من دمِ العبيد
فهي ابتسامٌ في انتظارِ مبسمٍ جديد
أو حلمةٌ تورّدت على فمِ الوليد
في عالمِ الغدِ الفتي ، واهبِ الحياة .
*
و يهطلُ المطرُ .
—*—
بدر شاكر السياب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.