في كل عام.. وفي نفس هذا الوقت.. يعاد مشهد الرحيل ، ويتكرر..
دنت ساعة الصفر، وأطلقت البجعة الكبيرة نداءها.. غطت أسراب البجع بأجنحتها البحيرة التي انتصفت جزيرة القمر البعيدة..
بجعة واحدة، ظلت في طرف البحيرة.. كانت تتألم، صوتها الصارخ بصمت جلل الأجواء.. ولم يسمعها أحد، كانت تلتف حول ساقها أغصان ندية، وتلفها الطحالب..!
كان واضحا أنها مكثت وقتا طويلا على هذه الحالة المؤلمة…
أحنت عنقها الطويل خلف جناحها الأيمن.. كانت تنادي أمها التي ابتعدت في الجو، ولكن لم يلحظ عدم وجودها أحد..
أخذت أرقب هذا المشهد بتأمل.. تذكرت وردتي الذابلة.. تلك الوردة التي اقتلعت من جذورها لتزرع في بيئة غير بيئتها.. وتأملت إحساس الألم في عيني تلك البجعة البيضاء الناصعة..
كان الجو باردا جافا، ينذر بقدوم عاصفة.. وفي السماء احتضنت الغيوم بعضها البعض وباتت تدرج على كتف السماء..
أقبل الليل سريعا كئيبا.. يجر ذيوله ويحارب ضوء النهار..
كان في فؤادي ذكرى جميلة مؤلمة، تمنيت نسيانها، تمنين وأدها، تمنيت لو أنها لم تمر ببالي أو بعمري يوما.. تمنيتها لو تقتل في قلبي كما قتلت كليوباترا نفسها في كتب الرواة..
ولكن…
heart;
ن ب ر ا س
نبروسة أرجو المعذرة على تدخلي لاكمال خاطرتك المؤلمة
وعلمي بسعة صدرك جعلني لاأتردد
وبعد برهة … اكتشفت الأم فقدان صغيرها … تلفتت برأسها يمنة ويسرة … أماما وخلفا …
صرخت …تعالى نقيقها…ولكن..؟؟!! لاجواب
قفلت راجعة … تسابق الغمام.. لم تعد ترى أمامها سوى صورة وليدها صارخا …باكيا …تائها…
كاد الليل أن ينقشع … بدأت خيوط الفجر تتسرب بين طيات السواد… معلنة تباشير قدوم الصباح…
طال انتظار الوليد… ذبلت آماله … قرر أن يرحل مع سرب طيور الحمام … فليكن غريبا بينها خير من أن يبقى وحيدا … بين فكي رياح الشتاء القاسية التي لاترحم..
وفي تلك اللحظة الحاسمة..حطت الأم رحالها على شاطىء بحيرة الفيروز… لم يكن هناك الا سكون يلف أرجاء الكون بعمق … وطائر مالك الحزين قابع بين صخور الألم…
صرخت … تكررت نداءاتها … تصادمت صيحاتها … عادت أصداؤها مدوية ترج أركان البحيرة الهادئة…
لقد رحل … لقد رحل … وافترقنا … لاأمل …
قررت أن تنتظر قدوم الربيع ، حين تعود أسراب الطيور المهاجرة…
وفييييييييييييي السنة القادمة
مع اطلالات فصل الربيع …
بدأت الأسراب المهاجرة تعود…
وقفت الأم ترقب سربا تلو الآخر … مرت أسراب البجع ولم تجد وليدها …
كاد اليأس يحطمها … قبعت فوق صخرة نائية … تقاطرت دمعاتها …امتزجت بمياه بحيرة الفيروز الصافية …
لاح في الأفق سرب طيور قادم … لكنها طيور الحمام … تأملت علها ترى وليدها … ماهذا الطائر الغريب بينها … أسرعت …أتراه وليدها … ؟!! انه هو …
أقبلت اليه ودموع الفرحة تعلو محياها …
ولدي حبيبي … ولكن !!! أعرض عنها
عرفته … أنكرها …
نادته … تجاهلها …
انتظرته … هجرها …
حلمت به … نسيها …
دعيني لست ابنك … لاأعرفك …وحلق مبتعدا …!!
صاحت صيحة الوداع الأخير … وكان حتفها …
هي ماتت … وهو عاش غريبا …
نبراس ، وردتك اقتلعوها عنوة … لتعيش في بيئة أخرى بعيدا عنك …لم يأبهوا لبكائها … ولالقلبك الذي أدماه فراقها …. لكن وردتك حجبت عبيرها عنهم …فلا يصل عطرها الفواح لسواك …. ويوما ما.. ستجدينها شجرة ورد متألقة … ودمت ودام نجاحك… لك حبي ….[php][/php]
415
29
1 Guest(s)
