خرجت فى أول أيام اجازتى الصيفية باكرا إلى البلاج ، امتلأت بمشاعر راقية هزتنى من الأعماق ، فما زلت أشعر بالعجز التام بلا حدود أمام البحر الشاسع لا ينتهى فى رحابة الأفق تماما كالأحلام فى أعماقنا جامحة بلا إنتهاء كذلك ، اقف على الشاطئ تملأني أحاسيس مطمئنة ، إرادتى … قوتى … تذهب أدراج الرياح عندما أغرس قدمى العارية فى الرمل الباهت الصفرة فيداعبها زبد البحر الأبيض المندفع على أطراف الشاطئ ، ما يشعرنى بالعجز حقا هو سعة البحر بلا توقف ، يذهلنى هذا الصفاء ، هذا النقاء المسترخى فى نعومة بين الأمواج الزرقاء ، جمال رائع أنت أيها البحر ، أدرك أنه ينبع من أروع الأحاسيس وأرق المعانى ، أنه الجمال الهادئ الأزرق المتموج !
لكن ما الذى يحدث ، تندفع فائرة جموع البشر أفواجا فى حرص بالغ ، تأملت فيما يفعلون … ياالله … ياالله … أنهم يلوثون البحر ، يقتلون فى إصرار الجمال الرائع ، يمثلوا بهذا النقاء الذى أعلنت الاقلام العجز عن وصفه ، أوكد لكم انى شاهدت البشر جحافل متواثبة من الأشرار المناكيد تملأ أرواحهم تلك الرغبة السوداء المميته ليلوثوا البحر ويقتلون الجمال الكائن فى أعماقه ، جاءوا بأدوات القتال من ضخب وضجيج وزحام وعربات ومظلات ومايوهات وأحقاد وانحلال وأشياء آخرى كثيرة ، أغتالوا عذرية البحر ، مزقوا سكون الأمواج ، اغرقوا المكان فى الذنوب ، أخذوا القوارب وتقدموا فى لقلب الأمواج … والبحر يهدر يعلن إستيائه من القتلة السفاحين ، أرهفت قلبى فاستمعت لصوت البحر رقيقا حزينا : " أنا جمال شامخا رائعا فتعالوا إلى يابنى الإنسان لتتمتعوا بما أحوى من عظمة ونقاء فى هدوء ، ولا تلوثونى بذنوبكم … كفانى ذنوب " ، تجاوبت مع البحر أجبته : نعم قتلوا الجمال فيك بضجيجهم وحقدهم، ورغم ذلك استمررت فى البقاء بين الأمواج الثائرة فى صخب وعنف ، طالنى رذاذ الصخب .. يلطمنى بالضيق الشديد وتمنيت لو كنت وحيدا على شاطئ البحر … أريده هذا الجمال لحسابى وبمفردى … ترى هل أكون أنانيا إذا تمنيت هذه الأمنية الغالية ؟! ، لا اعتقد فلا يستحق أن يستمتع بهذا الجمال ويتذوق ما به من معنى ورقى سوى من يستشعر وجدانه روعة البحر وطهارة اطرافه من دنس الأخلاق ، كنت بصدق أريد ذلك أكون بمفردى اعدو وأقفز كالطفل على الشاطئ واسكب فى قلبى من جمال البحر ، وأملأ وجدانى من حقيقة الوجود ولا اهدأ فى لملمة شذرات الحب من بين حنايا الموج الأزرق الهادر ، ولا اكف عن جمع أنوار الإيمان فى حقائبى النفسية ، لكن من يستمع لهذه الكلمات ؟! ومن ينسجها فى ذاته كالضياء … نعم أسمعه البحر يحاورنى نتجاذب أطراف الحديث ، يبث فى أنغامه الشجية ، يبتسم لى البحر الشاسع فتداعب ابتسامته خيالى وفؤادى ، رفعت رأسى فترائت لى قبة السماء الصافية الزرقاء بلون الوجدان الرائق تلتقى مع امتداد البحر الشاسع فى منظر يفيض بالنبل والروعة ، ما زلت أفكر ، يشملنى التدبر ، أعجز عجزا كاملا أمام وسائل التعبير .. أمام فيضان المشاعر ، أشعر أنى تلك الموجة الزرقاء .. ها هى هناك …إنى هذه الموجة الصغيرة التى تتأمل البحر ، تتملكنى حالة من المشاعر الفياضة ، كان ولابد وأن يهمس قلبى : سبحانك ربى خالق هذا الجمال الرائع ومبدعه ، يابديع السموات والأرض ، ياربى قدرتك وعظمتك بلا حدود إرادتك فى كلمة " كن فيكون " .
تنبهت من خواطرى على هدير الحقد وصخب الزحام تأملت فى دماء الجمال على أطراف النقاء ، هل رأيتم مذبحة الأخلاق على البلاج ؟! ، هنا على هذا الشريط الساحلى الضحل يتم إعدام الفضيلة كل يوم من أيام الصيف الحارة ، فى كل ساعة من نهار يقبل المئات والمئات من الوحوش يشتركون جميعا فى إقبال حميم فى فصل رأس الفضيلة عن الجسد فتناثرت الدماء بقسوة منقطعة النظير كأنها نافورة ، كفوهة بركان تنفجر فى الوجوه الشائهة فيهللون ويضحكون فى جنون ويعبون من الدماء ، تسكرهم دماء الفضيلة … نهر الدماء يتدفق طوفانا ويمتزج بالماء المالح ، يغترفون فى وحشية من المزيج فى التذاذ عجيب ، الجريمة تتم أمام أعيننا ، فهل تسمح لنا ضمائرنا بالمشاركة فى المجزرة البشعة ؟! ، كل شئ مباح على البلاج … الجسد مباح ، فقدان الاتزان والتوقر مباح ، الفجور مباح … ببساطة هكذا ، كم احبك أيها البحر وأحب موجك وهديرك وصفائك ، كم أمقتك أيها البلاج فعلى ظهرك نصبوا المقاصل ، فصلوا رأس الفضيلة عن جسد العفة تدلت الرأس الذبيحة فى الماء وسيول الدماء الحارة تغرق الجميع … تغرق البحر … تغرق الأخلاق .
انظر إلى البحر الشاسع بلا إنتهاء أنظر إلى قدماى وهما تغوصان تدريجيا فى الرمل المبلل الباهت الصفرة تداعبها شذرات الزبد الأبيض ومن حولى تنفجر الدماء الطاهرة بغزارة . بدأ جمال البحر يزداد شحوبا ومن حولى جحافل السكارى وحقد الزحام ومذبح الخلق الكريم ، تملكنى الضيق الهادر العنيف وأخذت قرارى ألا أشترك فى المذبحة ، وأبيت إلا أن أقوم ضائق الصدر على غرفتى وحيدا لاسجل تجربتى المرة على البلاج " تأملات على البلاج " .
جميل أن نتأمل
و نتذكر روعة الخالق و آياته
أن نسمو فوق توافه الأشياء
لنملأ صدورنا بكل الجمال
هناك منظران يمنحاني ذلك
بحر و صحراء
أفق بعيد بلا نهاية
الأخ الفاضل خالد
شكراً لمنحي تأملاتك
رائع أن نشارك الآخرين
في مشاعرنا
و لكن !!
لماذا لم تحاول الإبتعاد عن كل هؤلاء ؟
لتنفرد بذاتك في شاطيء
لا يشاركك به أي قبح
لك أطيب تحية
و في حفظ الله
415
21
1 Guest(s)
