المعزوفة الأخيرة للسيد بيتهوفن
[align=justify]عزيزي …… ، تحية عطرة وبعد ..لست أحمل خبراً جديداً أخطه لك مدبجاً بدايته باستفسارات بليغة عن صحتك وسعادتك ، ولست أُحَمِّلُ رسالتي هذه نوعاً من التساؤل الذي يبذله الأصدقاء لبعضهما في زمن الغربة وبلدها .
إن رسالتي هذه المرة هي نوع من حكايات آخر الليل التي يصّف حروفها الآباء لأبنائهم عند المنام ، أو نوع من أحلام اليقظة وحساباتها السرمدية التي يعيشها رفقاء الليل ، من يعدون نجومه ويعدون خطاياهم مع النجوم التي لا تنتهي .
أنت تعلم بلا شك ، أنني لا أنفك أمارس تلك الهواية القبيحة التي اعتدنا وإياك على ممارستها منذ الصغر ، تقليب الأحداث ودراستها ثم تنفسها لتسير مع دمائنا عبر شراييننا لتلقي بها في النهاية في القلب ، حيث تكمن الآلام والأحداث الأشد قسوة عبر مجرى حياتنا ، لكنني الليلة يا رفيقي ، أمارس عادة مرعبة أخرى ، إنني أستنشق للمرة الأولى زفرات قلب قريب مني ، وأستشعر آلاماً غريبة ، أستشعرها حارقة مستشيطة كحامض الكبريت عندما يلامس بشرة الطفل الرضيع .. لست أدري هل تكمن المشكلة في جِدَتها ، أم في قرابة تلك الزفرات من صدري الذي يستنشقها !! .
إن هذه التجربة الأولى تتطابق في حقيقتها مع حقيقة كل تجربة صادقة يخوضها الإنسان في معركة الحياة الأزلية ، لست أبحث عن مجد أناله من خلالها ، ولست أكتبه تعبيراً عن محبة أكنها لك ، ولا عن مواساة أسرك بها ، ولا عن حظوة أبحث عنها عندك ، إنني أكتبها لك لترى وأنت الحريص على صورة أخرى من صور حقيقتنا نحن البشر ، نحن المعذبون في الأرض ، الشغوفين بالبحث الدؤوب عن كل ما يؤذي مشاعرنا ويستخرج من شقاء أرواحنا ، أشد أشجانها وأحزانها قسوة وألماً .
نحن لا نيأس أن نتجرع الألم يعقبه الألم ، نحن أبناء الألم والقهر ، تجرعناه منذ الطفولة عبر فقدان أبسط مظاهر الأمن والحنان ، وكبرنا على فقدان أراضينا في فلسطين وكشمير والشيشان ، ووعينا على فقدان معاني الصدق والوفاء في الحياة ، لكننا ما نزال نحلم بيوم تصفو فيه الحياة .. لست أحلم بتغير الكون ، تلك الطرفة التي اعتدت ترديدها على مسمعي كلما تحدثنا عما يحدث هنا وهناك ، لكنني على الأقل أحلم بتغير شيء بسيط مما يحيط بي .. أأكون مجحفاً إن قدمت مثل هذا الطلب ؟! ، أو تستكثر عليّ هذا الأمر ؟! ، لا أظنك تفعل وإن قلت غير ذلك ، لأنني أعلم يقيناً أنك تبكي هذا اليوم في داخلك آلاف المرات ، رغم ما يرتسم على ملامحك من تجاهلات ساخرة ، تدفن بها آمالك الشابة التي استشهدت منذ زمن دون أن تتكلف عناء الحرب وضرواتها التي لا تخفى عليك ، حينما كنت تبدي استعداداً للمواجهة ، حينما كانت مصاعب الحياة تتكسر يائسة على ساعديك .
إنني اليوم حيث أتنفس زفرات قلبك الحزين ، أجثي واهناً غير قادر على الوقوف ، إن ألمك نوع يشابه إلى حد الغرابة معزوفة بيتهوفن الأخيرة "ضوء القمر" .. لانتشاره سرعة مفزعة تشل حواس الجسد وأركانه الأربعة ، لا ذكرى تردعه ولا آهات تبتلعه .. فقط الألم ولا شيء غيره .
إن هذا الصفاء المفزع من الألم ، يكتنف روحي ويغلف عقلي بكومة من الأوهام والأساطين التي طالما حارب عقلي سنيناً لطردها منه ، إن هذا الألم ليس جديراً بأن ينافس آمالي ملاذها ، إنه يرفض المنافسة ، لكنني أؤمن أنه أخيل هوميروس لا يلبث أن يسقط صريعاً ، فالإلياذة لا تستطيع حمايته فقد تخلت عنه من قبل .
إن أصابع بيتهوفن وإن كانت لا تعرف سوى الإبداع تضاجعه على أصابع البيانو ، لكنها كانت تدفع الناس وترتفع في وجوههم في لحظات مخجلة يتوارى من خلفها الحياء منكسراً ، وألمك كذلك ، فإن كان لا يعرف إلا القسوة والجفاء على صفحات قلبي ، إلا أنه يتمعر خجلاً ويذوب حباً إن انتصبت أطلال الأخوة وجدران القربى التي بنيتها وإياك عبر أحلك الظروف وأسوء المواقف في دوامة لا قرار لها من صراعات الحياة المستمرة .
إن صفاء ألمك المفزع ، ما هو إلا تعبير صادق عن صفاء سريرتك الذي لا يزيده ظلام الدنيا إلا توهجاً وبريقاً ، لكن سعيك الدؤوب للاتسام بالقهر والمعاناة يلطخه بين الحين والآخر ، إن استمتاعك بالقيد يقيد هذا الصفاء ، إنه ينحسر مغموراً بركام الدنيا التي تريد التعرف عليها في بحث مسعور عن السعادة في طوابق هذا العالم القميء ، إنك تقتص من حقيقتك التي كنت تعرفها منذ زمن ، إنك تبحث عن النسر الذهبي منذ طفولتك ، متجاهلاً بإصرار تزيده الأيام تحجراً ، أن النسر لم يزل يخفق فارداً أجنحته اللامعة ، في قلبك الذي يمطر عليه راغباً قمعه في رحلة بحثك البائسة .
لقد روت لي غادة السمان عن مواطنيك في مملكة البحث المترامية الأطراف قائلة: " إن من يبحث عن حقيقته في عيون الناس فقط ، يصبح كالواقف وحيداً في غرفة فيها ملايين المرايا ، وقد أضاع وجهه الحقيقي " .
لست الأول في هذا الطريق وحتماً لن تكون الأخير ، لكن هذه الحقيقة لا تمنحني عزاءً أكفل به منعك من الغرق مثلما تفعل الآن ، لكنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من المحاولة ، أن تبقى قريباً من الشاطئ حيث تجدف بقاربك الذي وعى الحقيقة منذ زمن بأنه من الجنون أن تخوض به المحيط وهو الكسيح البطيء ، إنني لا أنتقد شجاعتك لكنني أرفضها ، وأرفض معها كل هوسك وإصرارك على البحث ، وأنت المحاط بكل ما يمكنه أن يجتث من قلبك كل ما اعتدت أن تبتليه به ، واعتدت أن تقتل روحك فيه .
إنني ما زلت أتألم منذ أن حدثني عن "نهر الغموض" وأنت تقتص من قلبك الذي كان يعلم كل ما شاهده قبل أن يشاهده ، إنك تنتقم من نفسك لأنها لم تبصر وقد أبصرت ، أنت تنتقم من الحياة التي لم تفعل في حقك شيئاً سوى أن علّمتك أنها ليست على ما يرام ، لقد قال رابندرنات طاغور يوماً: " إننا نقرأ الحياة بشكل خاطئ ، ثم نقول أنها تخدعنا ! " . أهكذا يحاسب الصدق ، أهكذا يكون جزاء الحقيقة ؟! .. إن جزاء الحقيقة أن نؤمن بها ونحملها في قلوبنا ونشعل الشموع من حولها ، وإن آلمتنا ، وإن قست علينا ، لكنها لا تلبث إلا أن تبتسم في وجهنا ولو لثوان يتيمة .
فلنحمل الحقيقة ولنودعها صدورنا ، ولنبكي على بحثنا الخائب عبر السنين ، ولنبكي معزوفة السيد بيتهوفن الأخيرة .
.. جار البحر ..
ليلة الأحد 8/6/1425 هـ
الساعة 4.00 صباحاً
.. في مكان ما على أرض الجزيرة العربية ..
* ما سبق كان عبارة عن رسالة خاصة إلى أقرب الأصدقاء إلى قلبي ، لكنها تحولت عبر الوقت إلى رسالة عامة ، مدرسة من مدارس الحياة ، التي تعلمتها .. وأرجو أن أعلم من خلالها *
415
20
1 Guest(s)
