آخر الأوراق
[align=justify]لست أدري لماذا أسجل هذه الكلمات الختامية ، على وجه هذه الورقة البالية ..هل هي الرغبة بأن يعرف لفيف من الناس المجهولين بالنسبة لي .. أنني كنت يوماً من الأيام هنا ..
هل هناك فعلاً من يهمه وجودي أو عدمه ؟! ..
إن هذا السؤال لم يؤرقني من قبل ..
لعل السبب الحقيقي في ضمور هذه الرغبة أنني لم أكن فعلاً هناك ..
كان يبدو لفترة طويلة أنني كنت أتجاهل وجودي ، إنها تلك العادة المتمردة التي تجتاحني من دون استئذان ، حين أخرج من المحيط المادي لجسدي المريض ، اتأمله لساعات طوال وهو يمارس تملقه ونفاقه ، من أجل نزعة متهتكة يسميها عقلي الباطن "البقاء" ..
لماذا إذن أكتب هذه الورقة التأبينية ؟! .. هل هي رغبة بأني ينعاني لفيف آخر من الناس المعروفين بالنسبة لي .. بأن يعرفوا أنني لم أكن سعيداً كما كان يرتسم على وجهي مراراً وتكراراً ، كدمية أتقن صانعها الصيني رسم ملامحها بعناية ، لتباع في أسواق الخليج بثمن بخس ..
إن هذا السؤال أيضاً لم يكن حاضراً في مخيلتي لأدركه يوماً ما ..
إن لهذه الرغبة حقها بأن تستحيل رماداً أشهباً تذروه الرياح عشية أمسية هادئة عليلة .. لأن السعادة كانت ترفرف في داخلي كطائر حبيس ، أتقنت يد الاغتصاب اضطهاده ، حتى تساوت الحرية في قلبه مع القيد .. إنها صورة للسعادة الكاملة التي تفتقد جزءاً بسيطاً لا تكتمل إلا به ..
إنها إدراك الوجود المؤقت لاستكمال الرحلة إلى دار القرار ..
يبدو أنني أكتب هذه الورقة المتهالكة لأولئك الذين يتنفسون الهواء ملء صدورهم سارحين حالمين بغد مشرق فاضل ترفرف فيه حمامات السلام ، وتمتطي الغواني فيه ظهور الخيل تمشي الهوينى ، ويرتع الأطفال فيه ضاحكين عابثين ، وحقول القمح والقطن شبعى ومرتوية ..
أكتبها لأنبأهم عن قوم عاشوا هنا قبل عشرات السنين ، أثقلهم القيد والسوط .. مات أطفالهم ولم يفهموا للهو معنى ، سمعوا عن الحقول ولم يزرعوها ، قرأوا قصائد الرومي والبحتري عن الربيع ولم يروه .. كانت سمائهم كالحة مدلهمة وأرضهم قاحلة مستميتة .. العري ملبسهم والجوع مأكلهم والخوف مأمنهم .. كانوا وزالوا .. لم يرحلوا عن أرضهم بل رحلوا عن أجسادهم .. غطتهم سمائهم وأبتلعتهم أرضهم .. لم يتح لهم أمر الله أن يعوا لرحيلهم سبباً .. فالفاجعة كانت أسرع من أن يتفحص الناظر مصدر الهجرة ..
أنني أكتب هذه الكلمات ، ولست أعرف عن معاناة قومي سوى أنني كنت هناك ، لم أكتوي بنار الظلم والجور .. ولم أحترق بالبرد ولم أتجمد من الجفاء .. كنت هناك مسخاً بشرياً يقف جامداً أمام ذهول المرضعات وهن يشاهدن أطفالهن يسحبن من صدورهن .. كنت صنماً تتجمد الدموع في محجريه وبنو جنسه من الرجال يعدمون أن يقولوا ربنا الله .. كنت أستعصي الانهيار والأطفال يهجرون إلى بلاد الصليب .. لم أرعوي بعدها أن أعود مجرجراً ذيول الخزي والعار .. إلى منزلي المتهالك على تلال الرعب التي ورثتها أيدي الطواغيت ..
كنت أحسب أنني أستطيع أن أسكت هذا المزعج البغيض .. ذلك المتورع الذي يدعي الطهر .. "ضميري" .. الذي لم يتورع عن منحي أشد الكوابيس رهبة .. أفقدني حاسة الذوق لحسائي السمج .. واستبدل بالجمود دموعاً تنهمر لأقل المشاهد ألماً .. وأوجع قلبي بالخفقان لمنظر امرأة عجوز تتسول في ظهيرة صيفية عند إشارات المرور .. لقد استطاع بعد طول عمر بددته بالبلادة .. أن يقتحم علي عكر حياتي .. وينتهز ضعف حيلتي .. ويقتنص من جسدي أجمل ندباته .. التي كافح من أجل الحصول عليها ..
حتى سمعي .. ربما لم يستطع أن يحتويه فترة طويلة .. لكنه لم يكن ليترك للمعركة فرصة الخطأ .. فهي معركة فاصلة إما الموت أو النصر .. حاولت أن أسلي نفسي بأن الخيار الأول يمكن أن يكون الشهادة .. لكنه وعبر هجمات متتالية استطاع أن يقنعني بأنه من المخجل بأن أتكلم عن الشهادة .. وأنا لم أعرف للغزو طريقاً .. حتى الهوى المسكين كان دائماً هو المنتصر في حربه الباهتة على عواطفي التي تعيش سباتها الدماغي منذ قرون ..
أنني أكتب هذه الورقة الأخيرة .. لأسجل انتصاري على ضميري ..
سيظن البعض أن هذا ليس انتصاراً .. نعم يستطيع البعض أن يسجلوا هذا الاعتراض .. لكنهم لم يعيشوا هذه المعركة .. من عاشها فهو حتماً ليس من ضمن قراء هذه الثرثرة الجدلية .. ويستطيع من يرى روحه تستعد لهذه الحرب الضروس أن يستنسخ رسالتي ليضمنها أوراقه الأخيرة .. لا حقوق للحفظ هنا .. فمنذ قرون لم نعد نعرف معنى الحقوق ..
أسجل هذه الاعترافات المتأخرة .. وأنا منكب على أحباري وقراطيسي كأبيل مقعد .. أتجرع صرخات الصمت المريع .. عيوني تقاوم غفوتها .. وجسدي يتموج فرقاً .. وروحي تبكي نفسها .. وخيوط الفجر تسلل من خلف الستائر المنسدلة منذ عصور .. وصوت رائع رقراق يلهج بالآذان .. الأرض تشهد مولدها من جديد .. وروحي تغادر للمرة الأولى والأخيرة ..
جار البحر
الإثنين 15/4/1425 هـ
الساعة 2 صباحاً
.. الدمام ..
415
20
1 Guest(s)
