ذكريات أيام الراديو
مقالة: نهاد سيريس
1
المواظبة على متابعة نشرات الأخبار عادة قديمة ما أزال أتمسك بها. وقد أصبحت بالنسبة لي هاجساً يومياً كان قد تحكم بي وجعلني أسيراً لهذه العادة التي لا أستطيع الفكاك منها. لقد ولدت وترعرعت في أسرة تحب الاستماع الى نشرات الأخبار، فوالدي، رحمه الله، كان لا يفوت على نفسه تلك النشرات والى الآن أتذكر كيف كان يجلس الى جانب صندوق الراديو كبير الحجم ويروح يقلب الموجات باحثاً عن نشرات الأخبار في المحطات المختلفة. كانت لجهاز الراديو عين خضراء وكان عليه ان ينتظر نصف دقيقة حين يشعل الجهاز كي تكتمل خضرتها ثم يقوم بتحريك مفتاح انتقاء المحطات الى أرقام وأحرف مطبوعة على البلورة الأمامية ولا أزال أذكر أمكنة كل من محطة اذاعة صوت العرب واذاعة القاهرة ودمشق ولندن.
واذا بقينا في الذاكرة فإن لنشرات أخبار كل اذاعة سمة معينة تلازمها دائماً. لا يمكن نسيان شارة نشرة أخبار صوت العرب من القاهرة التي كانت ترفع الحماسة وتشحن النفوس بالنضال والمشاعر القومية. ثم كان هناك صوت احمد سعيد ولا أعرف إن كان حياً يرزق حتى الآن فأنا أتحدث عن الخمسينات من القرن الماضي. وعندما قام العدوان الثلاثي على مصر توقف والدي عن الذهاب الى عمله ليتابع أخبار المعارك وقد تحول البيت كله (رغم يفاعة الأولاد وانا منهم) الى متابع لأخبار الحرب وكانت شعورنا تقف رهبة حين كانوا يبثون أغنية "دع سمائي..". كان والدي يسهر الى ما بعد منتصف الليل وقد ألصق أذنه بقماش جهاز الراديو ليتمكن من الاستماع بشكل جيد دون ان يوقظنا وفي احدى الليالي وبينما كانت المعارك مستعرة في بور سعيد استيقظت لأجد والدي يبكي بسبب أخبار المعارك.
2
أما نشرات أخبار اذاعة دمشق فقد كانت هادئة ومتزنة في الأيام العادية ولكنها ما تلبث ان تبدأ باذاعة المارشات العسكرية بسبب كثرة الانقلابات العسكرية التي كانت تحدث في سورية. لقد اعتدنا على الاستيقاظ صباحاً للذهاب الى المدارس بينما تصدح أغاني فيروز في البرنامج اليومي "مرحباً أيها الصباح" الذي استمر طويلاً وأحبه الناس. كان البرنامج ينتهي في السابعة والربع أي تماماً عند موعد نشرة الأخبار. ولكن هذا البرنامج يغيب وتغيب معه فيروز في ايام الانقلابات وكل مارش عسكري يعني انقلاباً جديداً ويعني أيضاً بقاء والدي في البيت لمتابعة نشرات الأخبار التي ستتحدث عن الانقلاب وابطاله والبلاغات العسكرية التي كانت ترقّم من واحد الى ما شاء الله.. ثم ان الانقلابات العسكرية تجعلنا نحن الأولاد بدون مدارس وهذا يعني ان نشارك والدي في الاستماع الى نشرات الأخبار والمارشات التي تحل محل أغاني فيروز.
3
اذاعة لندن ودقات ساعة بيغ بن قبيل نشرات الأخبار من أكثر الاذاعات اثارة للأعصاب. كنا نسميها اذاعة الكوارث والمصائب فلم تكن تأتي إلا بأخبار الحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية وتلك التي يصنعها الانسان لأخيه الانسان. ولا أعرف لم كنا نسميها هكذا فكل الاذاعات تنقل أخبار الحروب والكوارث ولكن يبدو ذلك بسبب اذاعة تلك الأخبار بصوت حيادي بارد بينما كان المذيعون في صوت العرب وفي غيرها من الاذاعات العربية يقومون بايصال تلك الأخبار الى أسماع مستمعيها بصوت نضالي مشحون بالتحدي. ولذلك كانت ردات فعلنا على الخبر الكارثي مختلفة من اذاعة الى أخرى وكانت حيادية اذاعة لندن تثير أعصابنا خاصة حينما يتعلق الخبر باحدى الدول العربية ويكون الضحايا من الأشقاء العرب.
4
في تلك الفترة أيضاً ترددت في بيتنا أصداء نشرات أخبار اذاعة أخرى لم يكن والدي يأبه لها في الماضي وقد تعلمت على الفور أين يجب أن تكون ابرة التوليف لايجادها فقد كان يُطلب مني في بعض الأحيان الذهاب لتبديل المحطة بحثاً عن نشرة أخبار أخرى. كانت هي اذاعة بغداد والمناسبة هي الانقلاب العسكري الذي قام به عبد الكريم قاسم وأدخل العراق في دوامة العنف. فبالاضافة الى نشرات الأخبار راح والدي ونحن معه نتابع وقائع المحاكمات العسكرية التي كانت تجري لأعداء زعماء الانقلاب الذي كان يسمى ثورة تموز. أثارت هذه المحاكمات اذاعة صوت العرب فراحت تشن حملة اذاعية على النظام في بغداد فكنا ننتقل من اذاعة صوت العرب الى اذاعة بغداد لمتابعة الموضوع بأوجهه المتعددة ولا أنسى هتافات الناس الحاضرين في قاعة المحكمة التي كانت تأتي منغّمة وبايقاع خاص: عاش الزعيم.. عبد الكريم. وبما أنني كنت طفلاً صغيراً فقد أثر فيّ السجع والايقاع فأصبحت من أتباع عبد الكريم قاسم وذلك الضابط رئيس المحكمة الذي كان اسمه (على ما أذكر) المهداوي ولم أكن أعي المصيبة التي كانت تحدث. ولكن نشرات الأخبار ما لبثت ان أتت بخبر انقلاب جديد في العراق كان ضحيته هذه المرة ذلك الزعيم عبد الكريم فعلمنا انه قتل وسحلت جثته في شوارع بغداد فتحولت عواطفي الطفولية فوراً الى الصوت الملتهب للمذيع الجديد الذي كان سعيداً بالحدث.
5
ولكن المذياع لم يكن يأتي بأخبار الحروب والانقلابات والكوارث فحسب، فقد كانت الأسرة على موعد أول يوم خميس من كل شهر للاستماع الى حفلة كوكب الشرق أم كلثوم. كنا نلتف حول ذلك الصندوق ذي العين الخضراء بلهفة وباستعداد لقضاء سهرة ممتعة حتى الفجر. كانت تغني ثلاث أغنيات واحدة منها جديدة بالضرورة، أما في الأيام التالية فقد كنا نحضر النقاشات التي كانت تدور بين الكبار حول أغنيات أم كلثوم التي غنتها يوم الخميس. بث حفلات أم كلثوم كان يأتي كاستراحة المحارب إذ ما يلبث المذياع أن يعود الى نشرات الأخبار والأغاني الحماسية واذاعة البيانات العسكرية.
أتابع الى اليوم نشرات الأخبار بكثافة فأنا ابن أبي وقد أورثني هو هذه العادة. ما زلت أتابع أخبار الحروب والكوارث والانقلابات. أخبار الفيضانات والحرائق وانقلاب القطارات. أخبار الانتفاضة وسقوط الحكومات ومشاهد الضحايا على التلفاز وأخبار مسلسل الانتخابات الأميركية. أصبح جزء كبير من يومي أخبار في أخبار.. أقضيه في قراءة الصحف في المكتب والاستماع الى نشرات الأخبار في السيارة ومشاهدتها على المحطات الفضائية في البيت. حتى أنني أتابعها على الانترنت، لا أتجول إلا في مواقع الصحف وصفحات التغطية الكاملة. أصبح العالم قرية صغيرة بل قل حارة صغيرة تستطيع ان تعرف فوراً ما يجري في زواياها على الفور وبشكل مباشر، إلا أن كل ذلك لا يرضيني.. فأنا لا أزال متعلقاً بذلك الصندوق ذي العين الخضراء الذي تعرفت بواسطته على نشرات الأخبار والمطربة فيروز.. وأم كلثوم.
بقلم : نهاد سيريس
السبت, 24 يوليو, 2004
فيروزيات
من أيام، بدأت بتذكر أغاني فيروز، لا أدري ما الأسباب، لكن من المؤكد أن لفيروز أرتباط وثيق بساعات النهار بالنسبة لي. خلال ايام الدراسة الجامعية كان جزء من يومي أستقلال الباص لمدة ساعة يوميا صباحا وساعة أخرى مساءا. خلال ساعة النهار كانت اغلب الباصات على خط الجامعة تحتوي شريط معين من فيروز. أما أن جميعهم أشتراه من نفس المصدر، أو أن احدهم أشترى نسخة وقام الآخرون بنسخة، أنا أرجح الإحتمال الثاني. المهم أنه لمدة 5 سنوات خلال الجامعة كنت أسمع نفس الشريط يوميا في كافة الحافلات خلال النهار. وعند العودة كان ألإختيار العام عند السائقين هي الأغاني للمطربين الخليجيين. طبعا كان من المستحيل الإعتراض للسائق عن الشريط، لأن العقاب كان أما أغلاق المسجل تماما، أو وضع أحد الأشرطة التي تحتوي على دروس دينية لمدرسين يحبون الصياح والصوت المرتفع والتخويف الدائم من النار .. لذا تعودنا عدم الإعتراض على اختيار السائق الموسيقي…
عودة لفيروز، الشريط الذي كنا نسمع له كان مميز ووحيد من نوعه، إذ كان يحتوي كافة أغاني فيروز في شريط واحد .. الطريقة السحرية أنه يحتوي 45 ثانية إلى دقيقة من كل أغنية، ومن ثم يتم الإنتقال لأغنية أخرى بإسلوب أبعد ما يكون عن الدمج Mixing. رغم أن شريط مقططفات فيروز مزعج من حيث البدأ، لأنه لا يعطيك المجال للإستمتاع بأي أغنية، لكنه مع الوقت أصبح جزء من الروتين الصباحي الأساسي.
بقلم : عصام بايزيدي
الغمز و اللمز في وصف الامبراطورية التي لا يغيب عنها الشمس
غريب كان تأثر الشيخ رفاعة الطهطاوي رحمه الله بباريس و حياة الفرنسيين و ذلك أثناء إقامته فيها فقد وصفها وصفا دقيقا مفصلا في كتابه" الذهب الابريز في تلخيص باريز" مثنيا عليها أشد الثناء مقدما إياها على أنها النموذج الذي يجب أن يتبع للرقي بحياة العرب و قد دهشني تعلق شيخ الأزهر بنموذج الحياة الغربية اذ لطالما اعتقدت أن الدين و صدق الاعتقاد و الولاء و البراء يشكلان حاجزا منيعا دون الذوبان في الأخر و الانجذاب نحوه و بخاصة اذا كان مخالفا لدين المرء و معتقده.
و معارضة للمدرسة الطهطاوية، سجلت بعض الملاحظات على المجتمع البريطاني استحسانا و استهجانا و قلت اسميها الغمز و اللمز في وصف الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس توصيفا لواقع الحال في بريطانيا و غمزا على نمط اياك اعني و اسمعي يا جارة، و بعيدا عن شطحات اللغة و تقعرات الجناس و السجع ، هذه بعض التأملات من بريطانيا من المملكة المتحدة من بريطانيا العظمى.
* مدينة الليجو :
أول ما يطالعك و أنت ما زلت في سماء المملكة المتحدة تنظر من عل هو مدى انتظام هذا البلد و ترتيبه الديموغرافي فالبيوت مرتبة و مرصوصة كما لو أنها قطع من الليجو لا بيوتا حقيقية و لونها واحد بلون الطوب الأحمر فلا أخضر و لا أصفر و لا ألوان قوس قزح كما أن المعمار لم يزحف على المساحات الخضراء فهناك أراض و مراع و محميات و متنزهات لو وضع المستثمرون ثقلها ذهب لما أزيل منها عشبة واحدة فاللبيوت أماكنها و للشوارع و الجسور مساراتها وللاسواق أماكنها و هكذا النظام و التنسيق و الترتيب المدني ممتد إلى بقية مرافق الحياة.
* الكنيسة: مكتب خدماتي :
عرفت بريطانيا على مدى تاريخها بأنها راعية الكنيسة و حامية الصليب لكن هذا الأمر ولى و انقضى و أصبحت الكنيسة موئلا للعجزة و كبار السن فهم الذين يقصدونها أيام الاحاد ان ساعدتهم صحتهم أما الجيل الجديد فلا يعرف لها فائدة و لا يجد للدين معنا في حياته و قد بلغ من يأس الكنيسة من مجيء الشباب إليها أن أقامت حفلا راقصا disco مع DJ و مشروب فقط لجذب الشباب، ولعل كنيسة الشيطان في مانشستر لها روادها من الشباب و غيرهم أكثر من كنيسة الرب و هذا متوقع عندما لا تفهم ماهية الرب هل هو واحد أم ثلاثة في واحد أم واحد في ثلاثة و عندما لا يكون لك علاقة متصلة به في الحياة و العبادة، كما أن خدمات الكنيسة أصبحت تتعدى الطبيعة البشرية و التعاليم الدينية فتعقد للمرأة على المرأة و للرجل على الرجل و تعين أحد القساوسة في مجلس رئاستها مع علمها بأنه شاذ و أخر الاعلانات التي نشرتها الكنيسة الموجودة بقربنا تعلن عن فتح مقر الكنيسة لتكون بمثابة حضانة نهارية للاطفال و لا أدري هل سيرسل الأهالي أطفالهم الى الكنائس بعد الفضائح التي غزت أوروبا و ثبت فيها اعتداء القساوسة جنسيا على الأطفال.
* هيئة الاذاعة البريطانية BBC و التلفزيون البريطاني :
ينطبق على ال BBC المثل الشعبي الذي يقول " من برا هالله هالله و من جوا يعلم الله" فالمشاهد لقناة BBC WORLD و هي القناة التي تبث للعالم بمستوى عال من التقنية و التميز سواء في مجال الأخبار أو بشكل أخص البرامج الوثائقية و الحوارية ليعجب من سذاجة و سطحية الاخبار في النشرات المحلية التي تعرض للشعب البريطاني فالاخبار الدولية من كل أنحاء العالم لا تتعدى مدتها الخمس دقائق و بقية الاخبار معظمها عن الجرائم و الرياضة و الفن و قد انشغلنا على مدى اسبوع كامل بقصة فتاتين الاولى عمرها 15 عاما و هربت مع صديق والدتها و عمره 47 عاما و دوخا الشرطة الى أن قبضت عليهما و أعادت البنت القاصر إلى أمها و زجت بالرجل الذي كانت نواياه حسنة و كان يريد الزواج من الفتاة حسب قوله في السجن، أما الفتاة الثانية فعمرها 7 سنوات و قد قضت نحبها بعد تناولها لكمية كبيرة من حبوب النشوة Ecstasy ( و هي شبيهة بالفياجرا) الخاصة بوالدتها و صديقها و انشغلنا أيضا بمحاكمة الأم و صديقها بتهمة القتل غير المتعمد أما العراق و فلسطين و بقية الدنيا فكانا يحصلان على دقيقتين سريعتين تصيبان المشاهد بسوء الهضم. و اطمئن ايها المشاهد العربي فأنت أحسن حالا من نظيرك البريطاني فلئن كنت تعتقد أن المسابقات كثيرة على شاشاتنا فما عليك الا ان تشاهد التلفزيون البريطاني لتحمد الله على ما أنت فيه فهنا برامج المسابقات تزيد على 12 برنامج تعرض على مدار الاسبوع مثل من سيربح المليون و الحلقة الاضعف و من الجيد اننا كنا اول من اسنسخ البرامج فسبقنا البريطانيين في مجال الترفيه بالاضافة الى ثلاث مسلسلات يقال انها عائلية اثنان منها استراليان و هما يعرضان منذ 20 سنة و الاخر بريطاني.
* العلم و التعلم :
على غير ما هو معروف، فإن نسبة كبيرة من البريطانيين لا يكملون تعليمهم الجامعي و تبلغ نسبة الذين يكملون تعليمهم الجامعي في اخر الاحصائيات 40% بينما يتجه بقية الشباب الى سوق العمل بعد انهاء المرحلة الثانوية او ما يعرف بhigh school للعمل في المحال أو الوطائف المكتبية و المتجول في الاسواق يجزم بصدق ما قاله نابليون" بريطانيا شعب من الموظفين و أصحاب المحال"" Britain is a nation of shop keepers" و لكن المرء لا يملك الا ان يقف اجلالا و احتراما للعلماء منهم لرقيهم و تواضعهم فالمرء في بريطانيا كلما زاد علمه زاد تواضعه بحيث يجد الطالب أريحية و تعاونا من الاستاذ و الدكتور كما لو انه ند له فلا استصغار و لا احتقار و حظك حلو و امك راضية عنك و قد ولدت في ليلة القدر اذا سألت أحدا ان يساعدك او يعطيك معلومة سواء من الاساتذة أو العاملين في الجامعة لانه سيأخذك من يدك كما تأخذ الام بيد طفلها و يعطيك جميع المعلومات الشفوية و المكتوبة و ربما يدعوك لكوب من الشاي أو القهوة و لما رأيت تواضع من شاب شعرهم في تحصيل العلم تذكرت الايام التي كان عندنا فيها علماء كالشافعي يقولون" ما بلغت ما بلغت الا بقدر علمي ولو بلغت بقدر جهلي لطاولت السماء". أما المكتبة فحدث و لا حرج فكنت فيها مثل البدوي الذي دخل لتوه المدينة و استغرقني الامر بعض الوقت لافهم نظام الاستعارة المتقدم فالطالب يدخل و يستعير لوحده دون ان يحتاج للموظفين-وجدوا ام لم يوجدوا- و الهويات تصدر في دقائق كسرعة وجبات ال take away فليس هناك داع لاضاعة وقت الطالب و الاداري و العودة بعد ايام طالت او قصرت لاستلامها.
* ظاهرة البطون و الحلوق :
ما زلت أدهش للبطون و أحيانا الكروش التي تظهر من ملابس الفتيات و في الوقت الذي يعتريني الشعور بالرغبة في اخذ لحاف معي عند الخروج من المنزل لشدة البرد اجد الجميع كما يقول اخواننا في مصر ( لابسيين من غير هدوم) لا من فوق و لا من تحت و لا أحد يستغرب أو ينظر الى أحد فقد وصل انتشار الفاحشة الى حد لم يعد فيه شيء يبعث على الدهشة او يثير الاستهجان و صدق من قال" كثرة النظر الى الباطل تهون أمر العصية و تبطل نفرة القلب" أما الاقراط فقد اعتدت انها تلبس في الاذان و من قبل الفتيات فقط أما في بريطانيا فهي توضع في كل مكان تتصورونه و لا تتصورونه الا الاذن و مثال ذلك للاختصار الشفة و الحواجب و الذقن و السرة و من ورا و من قدام و في الانوف و اترك الباقي لسعة خيالكم.
* الاطفال و كبار السن :
في بلادنا، يتذمرون من الاطفال في كل مكان و هنا اعامل معاملة تقديمية لان معي طفلة فاكون في اخر الصف فاتقدم الى اوله و نصعد الى الباص فلا نجد مكانا فيتسابق الجميع لاعطائنا كرسيه أما كبارالسن فقد حزنت عليهم جدا فهم يكونون احيانا غير قادرين على السير و مع ذلك يعيشون وحدهم و لا احد يقضي حاجاتهم حتى انهم يموتون احيانا دون ان يعرف عنهم ابناؤهم و عندما يعرفون يكافأ بعضهم اباءهم بحرق جثثهم لان تكاليف التابوت و الدفن هنا مكلفة جدا.
* الكلمات السحرية: لو سمحت، شكرا مع ابتسامة :
يتعب المرء في بريطانيا من كثرة التحيات و الابتسامات التي يلقيها و يتلقاها ، الكل هنا مبتسم ، لماذا يا ترى ربما لان الاوضاع الاقتصادية في تحسن مستمر حتى ان العاطل عن العمل يحصل على راتب شهري يزيد عن 200$ كمصروف جيب فقط ناهيك عن تكاليف المسكن و التأمين الصحي.
* الباص :
لم أعد أخاف من ركوب الباص فالسائق يمشي الهوينا و لا ينادي على الركاب بحيث تسمع صوته من اول الشارع ، لا احد يصعد الى الباص بعضلاته فاحترام الدور هنا مقدس اكثر من تعاليم الدين و ياللغرابة فبالرغم من ان الجميع دفع اجرة الباص الا ان الكل يشكر السائق عند المغادرة و لهذا ربما تكون نفسية السائق مرتاحة فتقل الحوادث في بريطانيا.
* ريجيم اجباري :
لم أعد استطيع حتى ان اشرب الماء الا بعد قراءة مكوناته فالخنزير و ما يشتق منه و الكحول مكون اساسي حتى في ابسط الاشياء التي لا تخطر على بال انسان من اول الخبز و ملبس النعنع واللائحة تطول لتشمل كل شيء و اي شيء و ربما لهذا تنتشر الفاحشة في هذا المجتمع فالاكثار من الكحول يذهب بالعقل و الاكثار من الخنزبر يذهب الغيرة على العرض و ذا عرف السبب بطل العجب.
* المشي في الليل :
المشي في الليل في الاماكن العامة و بالذات أيام العطل يعتبر ضربا من الجنون اذ تكون الشوارع خالية لا تسمع فيها صريخ ابن يومين و ما ان يخرج الموظفون من العمل حتى يذهبون الى الخمارات و لا يخرجون منها الا " منتهين" حتى انهم يتركون سيارتهم و يذهبون الى البيوت بالتاكسيات التي تكلف في المشوار الواحد ما يزيد عن 20$ و قد رجعت في احد الايام من الجامعة الى البيت مع حلول الظلام فكدت اتجمد من الخوف قبل ان اصل و انا انظر ساعة الى الخلف و ساعة الى الامام و حفيف الاشجار يزيد في توتر الموقف ففرج الله على بان انضم الي في الشارع رجل و امرأة فمشيت خلفهما الى ان وصلت البيت فكان حالي كحال الشاعر اذ قال:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب اذ عوى و صوت انسان فكدت أطير
* العبادة :
بالرغم من فقد صوت الاذان و هو شيء ليس بالهين و فقد خصوصية يوم الجمعة الا ان العبادات لها طعم خاص في وسط هذا الفساد و الذهول عن الله ، جميل ان تستشعر شهادة هذه الارض التي هي ارض الله و ان كانت كافرة في ظاهرها على عباداتك و تستشعر شهادتها لك يوم القيامة و انك من القليل الذين يذكرون الله في هذا البلد فتدعو" اللهم اجعلنا من القليل دائما الذين قلت فيهم" و قليل من الاخرين" و لعل المسلمين من اهل هذه البلاد ينطبق عليهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " عبادة في الهرج (بمعنى الفتنة) خير من هجرة الي"
* انفلونزا القراءة :
حياة الباصات في بريطانيا ممتعة و غنية فهي تعلم المرء الكثير فعندما تصعد الى الباص تجد معظم الناس يقرؤون حتى لو كانت الرحلة ساعة او دقيقة و حتى لو كان المقروء مجلة سخيفة او رواية بوليسية او كتاب جاد او مجرد جريدة المهم ان تقرأ و لا يضيع الوقت عبثا فتساءلت لماذا لا تنتقل الينا هذه الامراض فنصاب بانفلونزا القراءة و جنون الابداع؟؟
* عندما يرجع زمن الدواهي فقط :
بالرغم من استشراء الفاحشة في هذه البلاد الا انهم يسبقوننا بكثير في كل المجالات و لمن لا يعرف السبب فليقرأ الحديث الذي رواه سيدنا داهية العرب و أفذ العرب و امير العرب عمرو بن العاص اذ قال سمعت رسول الله يقول تقوم الساعة و الروم اكثر الناس فرد عليه احد الصحابة انظر ماذا تقول فقال ما قلت الا ما سمعت من رسول الله و ان فيهم خمس خصال" انهم لاصبر الناس عند مصيبة و احلمهم عند فتنة و اسرعهم كرة بعد فرة و خيرهم لمسكين و يتيم و ضعيف و خامسة حسنة امنعهم من ظلم الملوك"
* و لي وطن :
عرب من كل مكان لا يملكون وئاثق سفر و لا جوازات و لا شهادات ميلاد لاولادهم و لا شيء يعرف بهم او يعطي معلومات عنهم و حتى و لو أخذوا الجنسية البريطانية فانهم لا يستطيعون العودة الى اوطانهم بسسب الملفات الامنية و الاستخباراتية التي تمنعهم احيانا حتى من ان يدفنوا في اوطانهم فتجتمع عليهم غربة الحياة و غربة الموت، اولادهم لا هم عرب و لا اجانب ، لسان انجليزي بعربية مكسرة و محاولات مضنية من الاهالي للحفاظ على دين اولادهم و اخلاقهم تنجح بتوفيق الله مرات و هناك نماذج مشرفة و تفشل ايضا مرات و هناك نماذج مخيبة.
امام هذا الموقف لا املك الا ان احمد الله الذي جعل لي وطنان كلاهما يسكن القلب واحد اسكن فيه و الاخر يسكن في يقول فيه ابن الرومي:
[poem font="Simplified Arabic,5,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"] و لي وطن أليت ان لا أبيعه=و ان لا ارى غيري له الدهر مالكاو حبب اوطان الرجال اليهمو=مارب قضاها الشباب هنالكا
اذا ذكروا اوطانهم ذكرتهم=عهود الصبا فيها فحنوا لذالكا[/poem] * عالشمس الل ما بتغيب
لا ادري لماذا لقبت بريطانيا بالامبراطوريةا لتي لا تغيب عنها الشمس مع ان الشمس دائم هنا غائبة لذا يوصف البريطانييون عموما بانهم شعب بارد او جاف المشاعر اما في بلادنا فحتى في الشتاء تغيب الشمس و تشرق نتنقل بين ايام دافئة و اخرى باردة ما زال لدينا بقايا نخوة و حفاظ على العرض ناكل دون خوف باسم الله نسمع الله اكبر خمس مرات مساجدنا بيوت لذكر الله …نعم الحمد لله ما زال لدينا الكثير لنستبشر به و من ليس له خطيئة فليرمنا بحجر
نعم اشتقت الى بلادي حيث الشمس الربانية و ان غاب دفؤها فانا نتدفأ بحرارة قلوب الناس و بين شوارع بريطانيا الباردة الصماء تداعب اذني تلك الاهزوجة الجميلة
باكتب اسمك يا بلادي عالشمس الل ما بتغيب لا بريطانيا و لا بلاد الدنيا على حبك ما في حبيب
ديمة طارق طهبوب- زوجة الشهيد بإذن الله طارق ايوب
بريطانيا-مانسشتر
415
17
1 Guest(s)
